محمد بن جرير الطبري

479

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

عيسى بن نهيك وإلى السندي بن شاهك : والله لئن لم تقروه وتردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعه الا قبضتها ، ولا تكون لي همه الا أنفسكم . فدخلوا على محمد ، فقالوا : قد بلغنا الذي عزمت عليه ، فنحن نذكرك الله في نفسك ! ان هؤلاء صعاليك ، وقد بلغ الأمر إلى ما ترى من الحصار ، وضاق عليهم المذهب ، وهم يرون الا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك وعند طاهر وهرثمة لما قد انتشر عنهم من مباشره الحرب والجد فيها ، ولسنا نأمن إذا برزوا بك ، وحصلت في أيديهم ان يأخذوك أسيرا ، ويأخذوا رأسك فيتقربوا بك ، ويجعلوك سبب أمانهم ، وضربوا له فيه الأمثال . قال محمد بن عيسى الجلودي : وكان أبى وأصحابه قعودا في رواق البيت الذي محمد وسليمان وأصحابه فيه قال : فلما سمعوا كلامهم ، ورأوا انه قد قبله مخافه ان يكون الأمر على ما قالوا له ، هموا ان يدخلوا عليهم فيقتلوا سليمان وأصحابه ، ثم بدا لهم وقالوا : حرب من داخل ، وحرب من خارج . فكفوا وأمسكوا . قال محمد بن عيسى : فلما نكت ذلك في قلب محمد ، ووقع في نفسه ما وقع منه ، اضرب عما كان عزم عليه ، ورجع إلى قبول ما كانوا بذلوا له من الأمان والخروج ، فأجاب سليمان والسندي ومحمد بن عيسى إلى ما سألوه من ذلك ، فقالوا : انما غايتك اليوم السلامة واللهو ، وأخوك يتركك حيث أحببت ، ويفردك في موضع ، ويجعل لك كل ما يصلحك وكل ما تحب وتهوى ، وليس عليك منه باس ولا مكروه فركن إلى ذلك ، وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة . قال محمد بن عيسى : وكان أبى وأصحابه يكرهون الخروج إلى هرثمة ، لأنهم كانوا من أصحابه ، وقد عرفوا مذاهبه ، وخافوا ان يجفوهم ولا يخصهم ، ولا يجعل لهم مراتب ، فدخلوا على محمد فقالوا له : إذ أبيت ان تقبل منا ما أشرنا عليك - وهو الصواب - وقبلت من هؤلاء المداهنين ، فالخروج إلى