محمد بن جرير الطبري

421

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

متوجها إلى قريه تدعى اسحاقيه ، ومعه نفر من أهل بيته ومواليه وحشمه ، فلما جاوز نهر ابان سمع صوت بريد في جوف الليل ، فقال : ان هذا لعجيب ، بريد في مثل هذه الساعة وفي مثل هذا الموضع ! ان هذا الأمر لعجيب ثم لم يلبث البريد ان وقف ، ونادى الملاح : هل معك احمد ابن مزيد ؟ قال : نعم ، فنزل فدفع اليه كتاب محمد ، فقراه ثم قال : انى قد بلغت ضيعتي ، وانما بيني وبينها ميل ، فدعني اقعها وقعه فامر فيها بما أريد ثم اغدو معك ، فقال : لا ، ان أمير المؤمنين أمرني الا أنظرك ولا ارفهك ، وان اشخصك اى ساعة صادفتك فيها ، من ليل أو نهار . فانصرف معه حتى اتى الكوفة ، فأقام بها يوما حتى تجمل وأخذ اهبه السفر ، ثم مضى إلى محمد . فذكر عن أحمد ، قال : لما دخلت بغداد ، بدأت بالفضل بن الربيع ، فقلت : اسلم عليه ، واستعين بمنزلته ومحضره عند محمد ، فلما اذن لي دخلت عليه ، وإذا عنده عبد الله بن حميد بن قحطبه ، وهو يريده على الشخوص إلى طاهر ، وعبد الله يشتط عليه في طلب المال والاكثار من الرجال ، فلما رآني رحب بي وأخذ بيدي ، ورفعني حتى صيرني معه على صدر المجلس ، واقبل على عبد الله يداعبه ويمازحه ، فتبسم في وجهه ، ثم قال : انا وجدنا لكم إذ رث حبلكم * من آل شيبان اما دونكم وأبا الأكثرون إذا عد الحصى عددا * والأقربون إلينا منكم نسبا فقال عبد الله : انهم لكذلك ، وان منهم لسد الخلل ونكاء العدو ، ودفع معره أهل المعصية عن أهل الطاعة ثم اقبل على الفضل ، فقال : ان أمير المؤمنين اجرى ذكرك ، فوصفتك له بحسن الطاعة وفضل النصيحة والشدة على أهل المعصية ، والتقدم بالرأي ، فأحب اصطناعك والتنويه باسمك ، وان يرفعك إلى منزله لم يبلغها أحد من أهل بيتك والتفت إلى خادمه ، فقال : يا سراج ، مر دوابي ، فلم البث ان اسرج له ، فمضى ومضيت معه ، حتى دخلنا على محمد وهو في صحن داره ، له ساج ، فلم يزل يأمرني بالدنو حتى كدت