محمد بن جرير الطبري

397

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

اما بعد ، فقد انتهى إلى كتاب أمير المؤمنين منكرا لآبائى منزله تهضمني بها ، وأرادني على خلاف ما يعلم من الحق فيها ، ولعمري ان لو رد أمير المؤمنين الأمر إلى النصفه فلم يطالب الا بها ، ولم يوجب نكره على تركها ، لانبسطت بالحجة مطالع مقالته ، ولكنت محجوجا بمفارقه ما يجب من طاعته ، فاما وانا مذعن بها وهو على ترك أعمالها ، فأولى به ان يدير الحق في امره ، ثم يأخذ به ، ويعطى من نفسه ، فان صرت إلى الحق فرغت عن قلبه ، وان أبيت الحق قام الحق بمعذرته واما ما وعد من بر بطاعته ، وأوعد من الوطأة بمخالفته ، فهل أحد فارق الحق في فعله فابقى للمستبين موضع ثقة بقوله ! والسلام . قال : وكتب إلى علي بن عيسى لما بلغه ما عزم عليه : اما بعد ، فإنك في ظل دعوه لم تزل أنت وسلفك بمكان ذب عن حريمها ، وعلى العناية بحفظها ورعاية لحقها ، توجبون ذلك لأئمتكم ، وتعتصمون بحبل جماعتكم ، وتعطون بالطاعة من أنفسكم ، وتكونون يدا على أهل مخالفتكم ، وحزبا وأعوانا لأهل موافقتكم ، تؤثرونهم على الآباء والأبناء ، وتتصرفون فيما تصرفوا فيه من منزله شديده ورجاء ، لا ترون شيئا أبلغ في صلاحكم من الأمر الجامع لألفتكم ، ولا احرى لبواركم مما دعا إلى شتات كلمتكم ، ترون من رغب عن ذلك جائرا عن القصد وعن أمه على منهاج الحق ، ثم كنتم على أولئك سيوفا من سيوف نقم الله ، فكم من أولئك قد صاروا وديعة مسبعة ، وجزرا جامده ، قد سفت الرياح في وجهه ، وتداعت السباع إلى مصرعه ، غير ممهد ولا موسد قد صار إلى أمه ، وغير عاجل حظه ، ممن كانت الأئمة تنزلكم لذلك ، بحيث انزلتم أنفسكم ، من الثقة بكم في أمورها ، والتقدمه في آثارها ، وأنت مستشعر دون كثير من ثقاتها وخاصتها ، حتى بلغ الله بك في نفسك ان كنت قريع أهل دعوتك ، والعلم القائم بمعظم امر أئمتك ، ان قلت : ادنوا دنوا وان أشرت : أقبلوا أقبلوا وان أمسكت وقفوا وأقروا ، وئاما لك واستنصاحا ، وتزداد نعمه مع الزيادة في نفسك ، ويزدادون نعمه مع الزيادة لك بطاعتك ، حتى حللت المحل الذي