محمد بن جرير الطبري

381

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بترك الحق الواجب إلى مخالفته فذهبوا يقولون ، فقال : قفوا أنفسكم حيث وقفنا بالقول بكم ، وأحسنوا تاديه ما سمعتم ، فقد ابلغتمونا من كتابنا ما عسى ان تقولوه لنا فانصرف الرسل ولم يثبتوا لأنفسهم حجه ، ولم يحملوا خبرا يؤدونه إلى صاحبهم ، ورأوا جدا غير مشوب بهزل ، في منع ما لهم من حقهم الواقع - بزعمهم . فلما وصل كتاب المأمون إلى محمد وصل منه ما فظع به ، وتخمط غيظا بما تردد منه في سمعه ، وامر عند ذلك بما ذكرناه من الامساك عن الدعاء له على المنابر ، وكتب اليه : اما بعد ، فقد بلغني كتابك غامطا لنعمه الله عليك فيما مكن لك من ظلها ، متعرضا لحراق نار لا قبل لك بها ، ولحظك عن الطاعة كان أودع لك ، وان كان قد تقدم منى متقدم ، فليس بخارج من مواضع نفعك إذ كان راجعا على العامة من رعيتك ، وأكثر من ذلك ما يمكن لك من منزله السلامة ، ويثبت لك من حال الهدنة ، فأعلمني رأيك اعمل عليه إن شاء الله . وذكر سهل بن هارون عن الحسن بن سهل ، ان المأمون قال لذي الرياستين : ان ولدى وأهلي ومالي الذي افرده الرشيد لي بحضره محمد - وهو مائه الف الف - وانا إليها محتاج ، وهي قبله فما ترى في ذلك ؟ وراجعه في ذلك مرارا فقال له ذو الرياستين : أيها الأمير ، بك حاجه إلى فضله مالك ، وان يكون أهلك في دارك وجنابك ، وان أنت كتبت فيه كتاب عزمه فمنعك صار إلى خلع عهده ، فان فعل حملك ولو بالكره على محاربته ، وانا اكره أن تكون المستفتح باب الفرقة ما ارتجه الله دونك ، ولكن تكتب كتاب طالب لحقك ، وتوجيه أهلك على ما لا يوجب عليه المنع نكثا لعهدك ، فان أطاع فنعمه وعافيه ، وان أبى لم تكن بعثت على نفسك حربا أو مشاقه فاكتب اليه ، فكتب عنه : اما بعد ، فان نظر أمير المؤمنين للعامة نظر من لا يقتصر عنه على إعطاء النصفه من نفسه حتى يتجاوزها إليهم ببره وصلته ، وإذا كان ذلك رايه في