محمد بن جرير الطبري
352
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وعمله في اليوم الثاني فصار دونه ، وجاء به في اليوم الثالث ، فقلت : لا تقدمه . وذكر ان الرشيد اعتل عله ، فعالجه الأطباء ، فلم يجد من علته افاقه ، فقال له أبو عمر الأعجمي : بالهند طبيب يقال له منكه ، رايتهم يقدمونه على كل من بالهند ، وهو أحد عبادهم وفلاسفتهم ، فلو بعث اليه أمير المؤمنين لعل الله ان يبعث له الشفاء على يده ! قال : فوجه الرشيد من حمله ، ووجه اليه بصله تعينه على سفره قال : فقدم فعالج الرشيد فبرئ من علته بعلاجه ، فأجرى له رزقا واسعا وأموالا كافيه ، فبينا منكه مارا بالخلد ، إذا هو برجل من المانيين قد بسط كساءه ، والقى عليه عقاقير كثيره ، وقام يصف دواء عنده معجونا ، فقال في صفته : هذا دواء للحمى الدائمة وحمى الغب وحمى الربع ، والمثلثة ، ولوجع الظهر والركبتين والبواسير والرياح ، ولوجع المفاصل ووجع العينين ، ولوجع البطن والصداع والشقيقه ولتقطير البول والفالج والارتعاش فلم يدع عله في البدن الا ذكر ان ذلك الدواء شفاء منها ، فقال منكه لترجمانه : ما يقول هذا ؟ فترجم له ما سمع ، فتبسم منكه ، وقال : على كل حال ملك العرب جاهل ، وذاك انه ان كان الأمر على ما قال هذا ، فلم حملني من بلادي ، وقطعني عن أهلي ، وتكلف الغليظ من مئونتي ، وهو يجد هذا نصب عينه وبإزائه ! وان كان الأمر ليس كما يقول هذا فلم لا يقتله ! فان الشريعة قد أباحت دمه ودم من أشبهه ، لأنه ان قتل ، فإنما هي نفس يحيا بقتلها خلق كثير ، وان ترك هذا الجاهل قتل في كل يوم نفسا ، وبالحرى ان يقتل اثنتين وثلاثا وأربعا في كل يوم ، وهذا فساد في التدبير ، ووهن في المملكة . وذكر ان يحيى بن خالد بن برمك ولى رجلا بعض اعمال الخراج بالسواد ، فدخل إلى الرشيد يودعه ، وعنده يحيى وجعفر بن بن يحيى ، فقال الرشيد ليحيى وجعفر : اوصياه ، فقال له يحيى : وفر واعمر ، وقال له جعفر : انصف