محمد بن جرير الطبري

330

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

امر الرشيد وحاله وهيئته وحال خاصته وقواده وأنصار دولته ، وهرثمة يجيبه ، حتى صار إلى قنطره لا يجوزها الا فارس ، فحبس هرثمة لجام دابته ، وقال لعلي : سر على بركة الله ، فقال على : لا والله لا افعل حتى تمضى أنت ، فقال : إذا والله لا امضى ، فأنت الأمير وانا الوزير ، فمضى وتبعه هرثمة حتى دخلا مرو ، وصارا إلى منزل على ، ورجاء الخادم لا يفارق هرثمة في ليل ولا نهار ، ولا ركوب ولا جلوس ، فدعا على بالغداء فطمعا ، واكل معهما رجاء الخادم ، وكان عازما على الا يأكل معهما ، فغمزه هرثمة وقال : كل فإنك جائع ، ولا رأى لجائع ولا حاقن ، فلما رفع الطعام قال له على : قد أمرت ان يفرغ لك قصر على الماشان ، فان رايت ان تصير اليه فعلت فقال له هرثمة : ان معي من الأمور ما لا يتحمل تأخير المناظرة فيها ، ثم دفع رجاء الخادم كتاب الرشيد إلى على ، وابلغه رسالته فلما فض الكتاب فنظر إلى أول حرف منه سقط في يده ، وعلم أنه قد حل به ما يخافه ويتوقعه ، ثم امر هرثمة بتقييده وتقييد ولده وكتابه وعماله - وكان رحل ومعه وقر من قيود واغلال - فلما استوسق منه صار إلى المسجد الجامع ، فخطب وبسط من آمال الناس ، واخبر ان أمير المؤمنين ولاه ثغورهم لما انتهى اليه من سوء سيره الفاسق على ابن عيسى ، وما امره به فيه وفي عماله وأعوانه ، وانه بالغ من ذلك ومن انصاف العامة والخاصة ، والأخذ لهم بحقوقهم أقصى مواضع الحق وامر بقراءة عهده عليهم فأظهروا السرور بذلك ، وانفسحت آمالهم ، وعظم رجاؤهم ، وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم ، وكثر الدعاء لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء . ثم انصرف ، فدعا بعلى بن عيسى وولده وعماله وكتابه ، فقال : اكفوني مؤنتكم ، واعفوني من الاقدام بالمكروه عليكم ونادى في أصحاب ودائعهم ببراءه الذمة من رجل كانت لعلى عنده وديعة أو لأحد من ولده أو كتابه أو عماله وأخفاها ولم يظهر عليها ، فأحضره الناس ما كانوا أودعوا الا رجلا من أهل مرو - وكان من أبناء المجوس - فإنه لم يزل يتلطف للوصول إلى علي بن عيسى حتى صار اليه ، فقال له سرا : لك عندي مال ، فان احتجت