محمد بن جرير الطبري
306
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
دونك ، لان ملكك كان ملكي ، وسلطانك كان سلطاني ، والخير والشر كان فيه على ولى ، فكيف يجوز لعبد الملك ان يطمع في ذلك منى ! وهل كنت إذا فعلت ذلك به يفعل بي أكثر من فعلك ! أعيذك بالله ان تظن بي هذا الظن ، ولكنه كان رجلا محتملا ، يسرني ان يكون في أهلك مثله ، فوليته ، لما احمدت من مذهبه ، وملت اليه لأدبه واحتماله قال : فلما أتاه الرسول بهذا أعاد اليه ، فقال : ان أنت لم تقر عليه قتلت الفضل ابنك ، فقال له : أنت مسلط علينا فافعل ما أردت ، على أنه ان كان من هذا الأمر شيء فالذنب فيه لي ، فبم يدخل الفضل في ذلك ! فقال الرسول للفضل : قم ، فإنه لا بد لي من انفاذ امر أمير المؤمنين فيك ، فلم يشك انه قاتله ، فودع أباه ، وقال له : ا لست راضيا عنى ؟ قال : بلى ، فرضى الله عنك ففرق بينهما ثلاثة أيام ، فلما لم يجد عنده من ذلك شيئا جمعهما كما كانا . وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل ، لما كان أعداؤهم يقرفونهم به عنده ، فلما أخذ مسرور بيد الفضل كما اعلمه ، بلغ من يحيى ، فأخرج ما في نفسه ، فقال له : قل له : يقتل ابنك مثله قال مسرور : فلما سكن عن الرشيد الغضب ، قال : كيف قال ؟ فأعدت عليه القول ، قال : قد خفت والله قوله ، لأنه قلما قال لي شيئا الا رايت تأويله . وقيل : بينما الرشيد يسير وفي موكبه عبد الملك بن صالح ، إذ هتف به هاتف وهو يساير عبد الملك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، طأطئ من اشرافه وقصر من عنانه ، واشدد من شكائمه ، والا افسد عليك ناحيته فالتفت إلى عبد الملك ، فقال : ما يقول هذا يا عبد الملك ؟ فقال عبد الملك : مقال باغ ودسيس حاسد ، فقال له هارون : صدقت ، نقص القوم ففضلتهم ، وتخلفوا وتقدمتهم ، حتى برز شاوك ، فقصر عنه غيرك ، ففي صدورهم جمرات التخلف ، وحزازات النقص فقال عبد الملك : لا اطفاها الله وأضرمها عليهم حتى تورثهم كمدا دائما ابدا