محمد بن جرير الطبري

264

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بقربه ، وامتن على بتقبيل يده ، وردني إلى خدمته ، فوالله ان كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي ، والمقادير التي أزعجتني ، فاعلم أنها كانت بمعاص لحقتني وخطايا أحاطت بي ، ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين - جعلني الله فداك - لخفت ان يذهب عقلي إشفاقا على قربك ، وأسفا على فراقك ، وان يعجل بي عن اذنك الاشتياق إلى رؤيتك ، والحمد لله الذي عصمني في حال الغيبة ، وامتعنى بالعافية ، وعرفني الإجابة ومسكنى بالطاعة ، وحال بيني وبين استعمال المعصية ، فلم اشخص الا عن رأيك ، ولم اقدم الا عن اذنك وامرك ، ولم يخترمنى اجل دونك والله يا أمير المؤمنين - ولا أعظم من اليمين بالله - لقد عاينت ما لو تعرض لي الدنيا كلها لاخترت عليها قربك ، ولما رايتها عوضا من المقام معك ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام : ان الله يا أمير المؤمنين - لم يزل يبليك في خلافتك بقدر ما يعلم من نيتك ، ويريك في رعيتك غاية أمنيتك ، فيصلح لك جماعتهم ، ويجمع ألفتهم ، ويلم شعثهم ، حفظا لك فيهم ، ورحمه لهم ، وانما هذا للتمسك بطاعتك ، والاعتصام بحبل مرضاتك ، والله المحمود على ذلك وهو مستحقه وفارقت يا أمير المؤمنين أهل كور الشام وهم منقادون لأمرك ، نادمون على ما فرط من معصيتهم لك ، متمسكون بحبلك ، نازلون على حكمك ، طالبون لعفوك ، واثقون بحلمك ، مؤملون فضلك ، آمنون بادرتك ، حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم ، وحالهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم ، وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمده لهم سابق لمعذرتهم ، وصله أمير المؤمنين لهم ، وعطفه عليهم متقدم عنده لمسألتهم . وأيم الله يا أمير المؤمنين لئن كنت قد شخصت عنهم ، وقد اخمد الله شرارهم وأطفأ نارهم ، ونفى مراقهم ، واصلح دهماءهم ، وأولاني الجميل فيهم ، ورزقني الانتصار منهم ، فما ذلك كله الا ببركتك ويمنك ، وريحك ودوام دولتك السعيده الميمونه الدائمة ، وتخوفهم منك ، ورجائهم لك والله يا أمير