محمد بن جرير الطبري
250
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وما آمن عليك ، وقد كان قال لي أبى حين انصرفنا - وذاك انا احتبسنا عند الرشيد : أما رايت الغلام المعترض في الدار ! لا والله ما صرفنا حتى فرغ منه - يعنى يحيى - إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ! وعند الله نحتسب أنفسنا فخرجت مع الرسول ، فلما صرت في بعض الطريق وانا مغموم بما اقدم عليه ، قلت للرسول : ويحك ! ما امره ! وما ازعجه بالإرسال إلى أبى في هذا الوقت ! فقال : انه لما جاء من الدار ، فساعة نزل عن الدابة صاح : بطني بطني ! قال عبد الله بن عباس : فما حفلت بهذا الكلام من قول الغلام ، ولا التفت اليه ، فلما صرنا على باب الدرب - وكان في درب لا منفذ له - فتح البابين ، فإذا النساء قد خرجن منشورات الشعور محتزمات بالحبال ، يلطمن وجوههن وينادين بالويل ، وقد مات الرجل ، فقلت : والله ما رايت امرا أعجب من هذا ! وعطفت دابتي راجعا اركض ركضا لم اركض مثله قبله ولا بعده إلى هذه الغاية ، والغلمان والحشم ينتظروننى لتعلق قلب الشيخ بي ، فلما راونى دخلوا يتعادون ، فاستقبلني مرعوبا في قميص ومنديل ، ينادى : ما وراءك يا بنى ؟ قلت : انه قد مات ، قال : الحمد لله الذي قتله واراحك وإيانا منه ، فما قطع كلامه حتى ورد خادم الرشيد يأمر أبى بالركوب وإياي معه فقال أبى ونحن في الطريق نسير : لو جاز ان يدعى ليحيى نبوة لادعاها أهله ، رحمة الله عليه ، وعند الله نحتسبه ! ولا والله ما نشك في أنه قد قتل فمضينا حتى دخلنا على الرشيد ، فلما نظر إلينا قال : يا عباس بن الحسن ، أما علمت بالخبر ؟ فقال أبى : بلى يا أمير المؤمنين ، فالحمد لله الذي صرعه بلسانه ، ووقاك الله يا أمير المؤمنين قطع ارحامك فقال الرشيد : الرجل والله سليم على ما يحب ، ورفع الستر ، فدخل يحيى ، وانا والله اتبين الارتياع في الشيخ ، فلما نظر اليه الرشيد صاح به : يا أبا محمد ، أما علمت أن الله قد قتل عدوك الجبار ! قال : الحمد لله الذي ابان لأمير المؤمنين كذب عدوه على ، واعفاه من قطع رحمه ، والله يا أمير المؤمنين ، لو كان هذا الأمر مما اطلبه واصلح له وأريده فكيف ولست بطالب له ولا مريده ، ولو لم يكن الظفر به الا بالاستعانة به ،