محمد بن جرير الطبري
186
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وذكر علي بن محمد ، عن أبيه ، قال : رايت المهدى وقد دخل البصرة من قبل سكه قريش ، فرايته يسير والبانوقه بين يديه ، بينه وبين صاحب الشرطة ، عليها قباء اسود ، متقلده سيفا في هيئة الغلمان قال : وانى لأرى في صدرها شيئا من ثدييها . قال على : وحدثني أبى ، قال : قدم المهدى إلى البصرة ، فمر في سكه قريش ، وفيها منزلنا ، وكانت الولاه لا تمر فيها إذا قدم الوالي ، كانوا يتشاءمون بها - قل وال مر فيها فأقام في ولايته الا يسيرا حتى يعزل - ولم يمر فيها خليفه قط الا المهدى ، كانوا يمرون في سكه عبد الرحمن بن سمره ، وهي تساوى سكه قريش ، فرأيت المهدى يسير ، وعبد الله بن مالك على شرطه يسير امامه ، في يده الحربه ، وابنته البانوقه تسير بينه وبين يديه وبين صاحب الشرطة في هيئة الفتيان ، عليها قباء اسود ومنطقه وشاشيه ، متقلده السيف ، وانى لأرى ثدييها قد رفعا القباء لنهودهما . قال : وكانت البانوقه سمراء حسنه القد حلوه فلما ماتت - وذلك ببغداد - اظهر عليها المهدى جزعا لم يسمع بمثله ، فجلس للناس يعزونه ، وامر الا يحجب عنه أحد ، فأكثر الناس في التعازي ، واجتهدوا في البلاغة ، وفي الناس من ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والأدب ، فاجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزيه أوجز ولا أبلغ من تعزيه شبيب بن شيبه ، فإنه قال : يا أمير المؤمنين ، الله خير لها منك ، وثواب الله خير لك منها ، وانا اسال الله الا يحزنك ولا يفتنك . وذكر صباح بن عبد الرحمن ، قال : حدثني أبى ، قال : توفيت البانوقه بنت المهدى ، فدخل عليه شبيب بن شيبه ، فقال : أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت اجرا ، وأعقبك صبرا ، لا اجهد الله بلاءك بنقمه ، ولا نزع منك نعمه ، ثواب الله خير لك منها ، ورحمه الله خير لها منك ، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده .