محمد بن جرير الطبري
173
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
انا في منزلي منذ أيام بين الظهر والعصر ، إذ أتاني رسول المهدى فسرت اليه ، ودخلت عليه وهو جالس خال ليس عنده أحد ، وبين يديه كتاب ، فقال : ادن يا هشام ، فدنوت فجلست بين يديه ، فقال : خذ هذا الكتاب فاقراه ولا يمنعك ما فيه مما تستفظعه ان تقرأه قال : فنظرت في الكتاب ، فلما قرأت بعضه استفظعته ، فالقيته من يدي ، ولعنت كاتبه ، فقال لي : قد قلت لك : ان استفظعته فلا تلقه ، اقراه بحقي عليك حتى تأتي على آخره ! قال : فقراته فإذا كتاب قد ثلبه فيه كاتبه ثلبا عجيبا ، لم يبق له فيه شيئا ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، من هذا الملعون الكذاب ؟ قال : هذا صاحب الأندلس ، قال : قلت : فالثلب والله يا أمير المؤمنين فيه وفي آبائه وفي أمهاته . قال : ثم اندرأت اذكر مثالبهم ، قال : فسر بذلك ، وقال : أقسمت عليك لما امللت مثالبهم كلها على كاتب قال : ودعا بكاتب من كتاب السر ، فأمره فجلس ناحية ، وأمرني فصرت اليه ، فصدر الكاتب من المهدى جوابا ، وامللت عليه مثالبهم فأكثرت ، فلم ابق شيئا حتى فرغت من الكتاب ، ثم عرضته عليه ، فأظهر السرور ، ثم لم أبرح حتى امر بالكتاب فختم ، وجعل في خريطة ، ودفع إلى صاحب البريد ، وامر بتعجيله إلى الأندلس قال : ثم دعا بمنديل فيه عشره أثواب من جياد الثياب وعشره آلاف درهم ، وهذه البغلة بسرجها ولجامها ، فأعطاني ذلك ، وقال لي : اكتم ما سمعت . قال الحسن : وحدثني مسور بن مساور ، قال : ظلمني وكيل للمهدي ، وغصبني ضيعه لي ، فأتيت سلاما صاحب المظالم ، فتظلمت منه وأعطيته رقعه مكتوبه ، فأوصل الرقعة إلى المهدى ، وعنده عمه العباس بن محمد وابن علاثة وعافيه القاضي قال : فقال لي المهدى : ادنه ، فدنوت ، فقال : ما تقول ؟ قلت : ظلمتني ، قال : فترضى بأحد هذين ؟ قال : قلت : نعم ،