محمد بن جرير الطبري

114

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يبقيك الله يا أمير المؤمنين ، ويبلغ أبو عبد الله محبتك في حياتك إن شاء الله . قال : وثقل عند ذلك وهو يقول : بادر بي إلى حرم ربى وامنه ، هاربا من ذنوبي وإسرافي على نفسي ، فلم يزل كذلك حتى بلغ بئر ميمون ، فقلت له : هذه بئر ميمون ، وقد دخلت الحرم ، فقال : الحمد لله ، وقضى من يومه . قال الربيع : فأمرت بالخيم فضربت ، وبالفساطيط فهيئت ، وعمدت إلى أمير المؤمنين فالبسته الطويلة والدراعه ، وسندته ، وألقيت في وجهه كله رقيقه يرى منها شخصه ، ولا يفهم امره ، وأدنيت أهله من الكله حيث لا يعلم بخبره ، ويرى شخصه ثم دخلت فوقفت بالموضع الذي اوهمهم انه يخاطبني ، ثم خرجت فقلت : ان أمير المؤمنين مفيق بمن الله ، وهو يقرا عليكم السلام ، ويقول : انى أحب ان يؤكد الله امركم ، ويكبت عدوكم ، ويسر وليكم ، وقد أحببت ان تجددوا بيعه أبى عبد الله المهدى ، لئلا يطمع فيكم عدو ولا باغ ، فقال القوم كلهم : وفق الله أمير المؤمنين ، نحن إلى ذاك اسرع قال : فدخل فوقف ، ورجع إليهم ، فقال : هلموا للبيعه ، فبايع القوم كلهم ، فلم يبق أحد من خاصته والأولياء ورؤساء من حضره الا بايع المهدى ، ثم دخل وخرج باكيا مشقوق الجيب لاطما رأسه ، فقال بعض من حضر : ويلي عليك يا بن شاه ! يريد الربيع - وكانت أمه ماتت وهي ترضعه فأرضعته شاه - قال : وحفر للمنصور مائه قبر ، ودفن في كلها ، لئلا يعرف موضع قبره الذي هو ظاهر للناس ، ودفن في غيرها للخوف عليه . قال : وهكذا قبور خلفاء ولد العباس ، لا يعرف لأحد منهم قبر . قال : فبلغ المهدى ، فلما قدم عليه الربيع قال : يا عبد ، ا لم تمنعك جلاله أمير المؤمنين ان فعلت ما فعلت به ! وقال قوم : انه ضربه ، ولم يصح ذلك . قال : وذكر من حضر حجه المنصور ، قال : رايت صالح بن المنصور وهو مع أبيه والناس معه ، وان موسى بن المهدى لقى تباعه ، ثم رجع الناس وهم خلف موسى ، وان صالحا معه