محمد بن جرير الطبري

105

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ثالث ، حتى يفتحا الخزانة فلما قدم المهدى من الري إلى مدينه السلام ، دفعت اليه المفاتيح ، وأخبرته عن المنصور انه تقدم إليها فيه الا يفتحه ولا يطلع عليه أحدا حتى يصح عندها موته فلما انتهى إلى المهدى موت المنصور وولى الخلافة ، فتح الباب ومعه ريطة ، فإذا أزج كبير فيه جماعه من قتلاء الطالبين ، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم ، وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عده كثيره ، فلما رأى ذلك المهدى ارتاع لما رأى ، وامر فحفرت لهم حفيره فدفنوا فيها ، وعمل عليهم دكان . وذكر عن إسحاق بن عيسى بن علي ، عن أبيه ، قال : سمعت المنصور وهو متوجه إلى مكة سنه ثمان وخمسين ومائه ، وهو يقول للمهدي عند وداعه إياه : يا أبا عبد الله ، انى ولدت في ذي الحجة ، ووليت في ذي الحجة ، وقد هجس في نفسي انى أموت في ذي الحجة من هذه السنة ، وانما حدانى على الحج ذلك ، فاتق الله فيما اعهد إليك من أمور المسلمين بعدي ، يجعل لك فيما كربك وحزنك مخرجا - أو قال : فرجا ومخرجا - ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب احفظ يا بنى محمدا ص في أمته يحفظ الله عليك أمورك وإياك والدم الحرام ، فإنه حوب عند الله عظيم ، وعار في الدنيا لازم مقيم والزم الحلال ، فان ثوابك في الأجل ، وصلاحك في العاجل وأقم الحدود ولا تعتد فيها فتبور ، فان الله لو علم أن شيئا اصلح لدينه وازجر من معاصيه من الحدود لامر به في كتابه واعلم أن من شده غضب الله لسلطانه ، امر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فسادا ، مع ما ذخر له عنده من العذاب العظيم ، فقال : « إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً » الآية فالسلطان يا بنى حبل الله المتين ، وعروته الوثقى ، ودين الله القيم ، فاحفظه وحطه وحصنه ، وذب عنه ، وأوقع بالملحدين فيه ، واقمع المارقين منه ، واقتل الخارجين عنه بالعقاب لهم والمثلات بهم ، ولا تجاوز ما امر