محمد بن جرير الطبري
10
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
أبى جعفر لعيسى بن موسى ، فلما عزم المنصور على ذلك كلم عيسى بن موسى في تقديم ابنه عليه برفيق من الكلام ، فقال عيسى : يا أمير المؤمنين ، فكيف بالايمان والمواثيق التي على وعلى المسلمين لي من العتق والطلاق وغير ذلك من مؤكد الايمان ! ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين فلما رأى أبو جعفر امتناعه ، تغير لونه وباعده بعض المباعده ، وامر بالاذن للمهدي قبله ، فكان يدخل فيجلس عن يمين المنصور في مجلس عيسى ، ثم يؤذن العيسى فيدخل فيجلس دون مجلس المهدى عن يمين المنصور أيضا ، ولا يجلس عن يساره في المجلس الذي كان يجلس فيه المهدى ، فيغتاظ من ذلك المنصور ، ويبلغ منه ، فيأمر بالاذن للمهدي ثم يأمر بعده بالاذن لعيسى بن علي ، فيلبث هنيهة ، ثم عبد الصمد بن علي ، ثم يلبث هنيهة ، ثم عيسى بن موسى . فإذا كان بعد ذلك قدم في الاذن للمهدي على كل حال ، ثم يخلط في الآخرين ، فيقدم بعض من اخر ويؤخر بعض من قدم ويوهم عيسى ابن موسى انه انما يبدأ بهم لحاجه تعرض ولمذاكرتهم بالشيء من امره ، ثم يؤذن لعيسى بن موسى من بعدهم ، وهو في ذلك كله صامت لا يشكو منه شيئا ، ولا يستعتب ثم صار إلى أغلظ من ذلك ، فكان يكون في المجلس معه بعض ولده ، فيسمع الحفر في أصل الحائط فيخاف ان يخر عليه الحائط ، وينتثر عليه التراب ، وينظر إلى الخشبة من سقف المجلس قد حفر عن أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه ، فيأمر من معه من ولده بالتحويل ، ويقوم هو فيصلى ، ثم يأتيه الاذن فيقوم فيدخل بهيئته والتراب عليه لا ينفضه ، فإذا رآه المنصور قال له : يا عيسى ، ما يدخل على أحد بمثل هيئتك من كثره الغبار عليك والتراب ! ا فكل هذا من الشارع ؟ فيقول : احسب ذلك يا أمير المؤمنين ، وانما يكلمه المنصور بذلك ليستطمعه ان يشكو اليه شيئا فلا يشكو ، وكان المنصور قد ارسل اليه في الأمر الذي