محمد بن جرير الطبري
478
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قال : ففعلت ، فتراجع الناس ، وارتجز أبو مسلم يومئذ فقال : من كان ينوى أهله فلا رجع فر من الموت وفي الموت وقع قال : وكان قد عمل لأبي مسلم عريش ، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال ، فان رأى خللا في الميمنه أو في الميسره ارسل إلى صاحبها : ان في ناحيتك انتشارا ، فاتق الا تؤتى من قبلك ، فافعل كذا ، قدم خيلك كذا ، أو تأخر كذا إلى موضع كذا ، فإنما رسله تختلف إليهم برايه حتى ينصرف بعضهم عن بعض . قال : فلما كان يوم الثلاثاء - أو الأربعاء - لسبع خلون من جمادى الآخرة سنه ست وثلاثين ومائه - أو سبع وثلاثين ومائه - التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا . فلما رأى ذلك أبو مسلم مكر بهم ، فأرسل إلى الحسن بن قحطبه - وكان على ميمنته - ان أعر الميمنه وضم أكثرها إلى الميسره ، وليكن في الميمنه حماه أصحابك واشداؤهم فلما رأى ذلك أهل الشام اعروا ميسرتهم ، وانضموا إلى ميمنتهم بإزاء ميسره أبى مسلم ثم ارسل أبو مسلم إلى الحسن ان مر أهل القلب فليحملوا مع من بقي في الميمنه على ميسره أهل الشام فحملوا عليهم فحطموهم وجال أهل القلب والميمنه . قال : وركبهم أهل خراسان فكانت الهزيمة ، فقال عبد الله بن علي لابن سراقه الأزدي - وكان معه : يا بن سراقه ، ما ترى ؟ قال : أرى والله ان تصبر وتقاتل حتى تموت ، فان الفرار قبيح بمثلك ، وقبل عبته على مروان ، فقلت : قبح الله مروان ! جزع من الموت ففر ! قال : فانى آتى العراق ، قال : فانا معك فانهزموا وتركوا عسكرهم ، فاحتواه أبو مسلم ، وكتب بذلك إلى أبى جعفر فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يحصى ما أصابوا في عسكر عبد الله بن علي ، فغضب من ذلك أبو مسلم ومضى عبد الله بن علي وعبد الصمد بن علي ، فاما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فآمنه أبو جعفر ، واما عبد الله بن علي فاتى سليمان بن علي بالبصرة ، فأقام عنده وآمن أبو مسلم الناس فلم يقتل أحدا ، وامر بالكف عنهم