محمد بن جرير الطبري

476

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الطومار فقراه ، فلما رأى ما فيه دعا أناسا من خاصته فأخبرهم الخبر ، وافشى إليهم امره ، وشاورهم ، وقال : من أراد منكم ان ينجو ويهرب فليسر معي ، فانى أريد ان آخذ طريق العراق ، وأخبرهم ما كتب به عبد الله بن علي في امره ، وقال لهم : من لم يرد منكم ان يحمل نفسه على السير فلا يفشين سرى ، وليذهب حيث أحب . قال : فاتبعه على ذلك ناس من أصحابه ، فامر حميد بدوابه فانعلت ، وانعل أصحابه دوابهم ، وتأهبوا للمسير معه ، ثم فوز بهم وبهرج الطريق فاخذ على ناحية من الرصافة ، رصافه هشام بالشام ، وبالرصافة يومئذ مولى لعبد الله بن علي يقال له سعيد البربرى ، فبلغه ان حميد بن قحطبه قد خالف عبد الله بن علي ، وأخذ في المفازة ، فسار في طلبه فيمن معه من فرسانه ، فلحقه ببعض الطريق ، فلما بصر به حميد ثنى فرسه نحوه حتى لقيه ، فقال له : ويحك ! اما تعرفني ! والله مالك في قتالي من خير فارجع ، فلا تقتل أصحابي وأصحابك ، فهو خير لك فلما سمع كلامه عرف ما قال له ، فرجع إلى موضعه بالرصافة ، ومضى حميد ومن كان معه ، فقال له صاحب حرسه موسى بن ميمون : ان لي بالرصافة جاريه ، فان رايت ان تأذن لي فآتيها فاوصيها ببعض ما أريد ، ثم ألحقك ! فاذن له فأتاها ، فأقام عندها ، ثم خرج من الرصافة يريد حميدا ، فلقيه سعيد البربرى مولى عبد الله بن علي ، فأخذه فقتله ، واقبل عبد الله بن علي حتى نزل نصيبين ، وخندق عليه . واقبل أبو مسلم وكتب أبو جعفر إلى الحسن بن قحطبه - وكان خليفته بإرمينية - ان يوافى أبا مسلم ، فقدم الحسن بن قحطبه على أبى مسلم وهو بالموصل ، واقبل أبو مسلم ، فنزل ناحية لم يعرض له ، وأخذ طريق الشام ، وكتب إلى عبد الله : انى لم اومر بقتالك ، ولم أوجه له ، ولكن أمير المؤمنين ولانى الشام ، وانما أريدها ، فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام لعبد الله : كيف نقيم معك وهذا يأتي بلادنا ، وفيها حرمنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ، ويسبى ذرارينا !