محمد بن جرير الطبري
384
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فأرسل إلى الفريقين ان كفوا ، وليتفرق كل قوم إلى معسكرهم ، ففعلوا . وارسل أبو مسلم لاهز بن قريظ وقريش بن شقيق وعبد الله بن البختري ، وداود بن كراز إلى نصر يدعوه إلى كتاب الله والطاعة للرضا من آل محمد ص . فلما رأى نصر ما جاءه من اليمانية والربيعه والعجم ، وانه لا طاقه له بهم ، ولا بد ان اظهر قبول ما بعث به اليه ان يأتيه فيبايعه ، وجعل يريثهم لما هم به من الغدر والهرب إلى أن امسى ، فامر أصحابه ان يخرجوا من ليلتهم إلى ما يأمنون فيه ، فما تيسر لأصحاب نصر الخروج في تلك الليلة . وقال له سلم بن أحوز : انه لا يتيسر لنا الخروج الليلة ، ولكنا نخرج القابلة ، فلما كان صبح تلك الليلة عبا أبو مسلم كتائبه ، فلم يزل في تعبيتها إلى بعد الظهر ، وارسل إلى نصر لاهز بن قريظ وقريش بن شقيق وعبد الله بن البختري وداود بن كراز وعده من اعاجم الشيعة ، فدخلوا على نصر ، فقال لهم : لشر ما عدتم ، فقال له لاهز : لا بد لك من ذلك فقال نصر : اما إذ كان لا بد منه ، فانى أتوضأ واخرج اليه وارسل إلى أبى مسلم ، فإن كان هذا رايه وامره أتيته ونعمى لعينه ، وأتهيأ إلى أن يجيء رسولي ، وقام نصر ، فلما قام قرأ لاهز هذه الآية : « إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ » ، فدخل نصر منزله واعلمهم انه ينتظر انصراف رسوله من عند أبى مسلم ، فلما جنه الليل ، خرج من خلف حجرته ، ومعه تميم ابنه والحكم بن نميله النميري وحاجبه وامرأته ، فانطلقوا هرابا ، فلما استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزله ، فوجدوه قد هرب ، فلما بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر ، وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم فكتفهم ، وكان فيهم سلم بن أحوز صاحب شرطه نصر والبختري كاتبه ، وابنان له ويونس بن عبد ربه ومحمد بن قطن ومجاهد بن يحيى بن حضين والنضر بن إدريس ومنصور بن عمر بن أبي الحرقاء وعقيل بن معقل الليثي ، وسيار بن عمر السلمى ، مع رجال من رؤساء مضر فاستوثق منهم بالحديد ، ووكل بهم عيسى بن أعين ، وكانوا في الحبس عنده حتى امر بقتلهم