محمد بن جرير الطبري
28
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
اقرا ولا اكتب ، اصلح الله الأمير ! فضرب بيده على جبينه ، وقال : انا لله وانا اليه راجعون ! سقط منك تسعه أعشار ما كنت أريده منك ، وبقي لك واحده فيها غنى الدهر قال : قلت : أيها الأمير ، هل في تلك الواحدة ثمن غلام ؟ قال : وما ذا حينئذ ! قلت : تشترى غلاما كاتبا تبعث به إلى فيعلمني ، قال : هيهات ! كبرت عن ذلك ، قال : قلت : كلا ، فاشترى غلاما كاتبا حاسبا بستين دينارا ، فبعث به إلى ، فاكببت على الكتاب ، وجعلت لا آتيه الا ليلا ، فما مضت الا خمس عشره ليله حتى كتبت ما شئت وقرأت ما شئت قال : فانى عنده ليله ، إذ قال : ما ادرى هل أنجحت من ذلك الأمر شيئا ؟ قلت : نعم ، اكتب ما شئت ، واقرا ما شئت ، قال : انى أراك ظفرت منه بشيء يسير فأعجبك ، قلت : كلا ، فرفع شاذ كونه ، فإذا طومار ، فقال : اقرا هذا الطومار ، فقرات ما بين طرفيه ، فإذا هو من عامله على الري ، فقال : اخرج فقد وليتك عمله ، فخرجت حتى قدمت الري ، فأخذت عامل الخراج ، فأرسل إلى : ان هذا اعرابى مجنون ، فان الأمير لم يول على الخراج عربيا قط ، وانما هو عامل المعونة ، فقل له : فليقرنى على عملي وله ثلاثمائة الف ، قال : فنظرت في عهدي ، فإذا انا على المعونة ، فقلت : والله لا انكسرت ، ثم كتبت إلى خالد : انك بعثتني على الري ، فظننت انك جمعتها لي فأرسل إلى صاحب الخراج ان أقره على عمله ويعطيني ثلاثمائة ألف درهم فكتب إلى أن اقبل ما أعطاك ، واعلم انك مغبون فأقمت بها ما أقمت ، ثم كتبت : انى قد اشتقت إليك فارفعني إليك ، ففعل ، فلما قدمت عليه ولاني الشرطة . وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد بن عبد الله النضري وعلى قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندي ، وعلى قضاء البصرة موسى بن انس وقد قيل إن هشاما انما استعمل خالد بن عبد الله القسري على العراق وخراسان في سنه ست ومائه ، وان عامله على العراق وخراسان في سنه خمس ومائه كان عمر بن هبيرة .