محمد بن جرير الطبري

116

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

انه لا يقطع إليهم وبينهم وبينه النهر ، فلما نظر خاقان إلى النهر امر الاشكند - وهو يومئذ اصبهبذ نسف - ان يسير في الصف حتى يبلغ أقصاه ، ويسال الفرسان وأهل البصر بالحرب والماء : هل يطاق قطوع النهر والحمل على أسد ؟ فكلهم يقول : لا يطاق ، حتى انتهى إلى الاشتيخن ، فقال : بلى يطاق ، لأنا خمسون الف فارس ، فإذا نحن اقتحمنا دفعه واحده رد بعضنا عن بعض الماء فذهب جريته قال : فضربوا بكوساتهم فظن أسد ومن معه انه منهم وعيد ، فاقحموا دوابهم ، فجعلت تنخر أشد النخير ، فلما رأى المسلمون اقتحام الترك ولوا إلى العسكر ، وعبرت الترك فسطع رهج عظيم لا يبصر الرجل دابته ، ولا يعرف بعضهم بعضا ، فدخل المسلمون عسكرهم وحووا ما كان خارجا ، وخرج الغلمان بالبراذع والعمد ، فضربوا وجوه الترك ، فأدبروا ، وبات أسد ، فلما أصبح - وقد كان عبا أصحابه من الليل تخوفا من غدر خاقان وغدوه عليه ، ولم ير شيئا - دعا وجوه الناس فاستشارهم ، فقالوا له : اقبل العافية ، قال : ما هذه عافيه ، بل هي بليه ، لقينا خاقان أمس فظفر بنا وأصاب من الجند والسلاح ، فما منعه منا اليوم الا انه قد وقع في يديه اسراء فأخبروه بموضع الأثقال امامنا ، فترك لقاءنا طمعا فيها فارتحل فبعث امامه الطلائع ، فرجع بعضهم فأخبره انه عاين طوقات الترك واعلاما من اعلام الاشكند ، في بشر قليل فسار والدواب مثقلة ، فقيل له : انزل أيها الأمير واقبل العافية ، قال : واين العافية فأقبلها ! انما هي بليه وذهاب الأنفس والأموال فلما امسى أسد صار إلى منزل ، فاستشار الناس : ا ينزلون أم يسيرون ؟ فقال الناس : اقبل العافية ، وما عسى ان يكون ذهاب المال بعافيتنا وعافيه أهل خراسان ! ونصر بن سيار مطرق ، فقال أسد : ما لك يا بن سيار مطرقا لا تتكلم ! قال : اصلح الله الأمير ! خلتان كلتاهما لك ، ان تسر تغث من مع الأثقال وتخلصهم ، وان أنت انتهيت إليهم وقد هلكوا فقد قطعت قحمه لا بد من قطوعها فقبل رايه وسار يومه كله