محمد بن جرير الطبري
53
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ثم ارسل إلى تلك القرية فاخذ منها علجا فضربه ، ثم قال : النجاء بكتابي هذا إلى المصعب بن الزبير وكتب عنوانه : للأمير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن قال : فمضى العلج حتى يدخل قريه فيها بيوت ، وفيها أبو عمره ، وقد كان المختار بعثه في تلك الأيام إلى تلك القرية لتكون مسلحه فيما بينه وبين أهل البصرة ، فلقى ذلك العلج علجا من تلك القرية ، فاقبل يشكو اليه ما لقى من شمر ، فإنه لقائم معه يكلمه إذ مر به رجل من أصحاب أبى عمره ، فرأى الكتاب مع العلج ، وعنوانه : لمصعب من شمر ، فسألوا العلج عن مكانه الذي هو به ، فأخبرهم ، فإذا ليس بينهم وبينه الا ثلاثة فراسخ قال : فاقبلوا يسيرون اليه . قال أبو مخنف : فحدثني مسلم بن عبد الله ، قال : وانا والله مع شمر تلك الليلة ، فقلنا : لو أنك ارتحلت بنا من هذا المكان فانا نتخوف به ! فقال : أو كل هذا فرقا من الكذاب ! والله لا أتحول منه ثلاثة أيام ، ملا الله قلوبكم رعبا ! قال : وكان بذلك المكان الذي كنا فيه دبى كثير ، فوالله انى لبين اليقظان والنائم ، إذ سمعت وقع حوافر الخيل ، فقلت في نفسي : هذا صوت الدبى ، ثم انى سمعته أشد من ذلك ، فانتبهت ومسحت عيني ، وقلت : لا والله ، ما هذا بالدبى قال : وذهبت لأقوم ، فإذا انا بهم قد أشرفوا علينا من التل ، فكبروا ، ثم أحاطوا بابياتنا ، وخرجنا نشتد على أرجلنا ، وتركنا خيلنا قال : فامر على شمر ، وانه لمتزر ببرد محقق - وكان أبرص - فكأني انظر إلى بياض كشحيه من فوق البرد ، فإنه ليطاعنهم بالرمح ، قد اعجلوه ان يلبس سلاحه وثيابه ، فمضينا وتركناه قال : فما هو الا ان أمعنت ساعة ، إذ سمعت : الله أكبر ، قتل الله الخبيث ! قال أبو مخنف : حدثني المشرقي ، عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود ، قال : انا والله صاحب الكتاب الذي رايته مع العلج ، واتيت به أبا عمره وانا قتلت شمرا ، قال : قلت : هل سمعته يقول شيئا ليلتئذ ؟ قال : نعم ،