محمد بن جرير الطبري

477

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

اجمعوا ان يبيتوا العسكر ، وبلغ قتيبة فانتخب أهل النجده والباس ووجوه الناس ، فكان شعبه بن ظهير وزهير بن حيان فيمن انتخب ، فكانوا أربعمائة ، فقال لهم : ان عدوكم قد رأوا بلاء الله عندكم ، وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثرتكم ، كل ذلك يفلجكم الله عليهم ، فاجمعوا على أن يحتالوا غرتكم وبياتكم ، واختاروا دهاقينهم وملوكهم ، وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم ، وقد فضلكم الله بدينه ، فابلوا الله بلاء حسنا تستوجبون به الثواب ، مع الذب عن احسابكم قال : ووضع قتيبة عيونا على العدو حتى إذا قربوا منه قدر ما يصلون إلى عسكره من الليل ادخل الذين انتخبهم ، فكلمهم وحضهم ، واستعمل عليهم صالح بن مسلم ، فخرجوا من العسكر عند المغرب ، فساروا ، فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم الذين وصفوا لهم ، ففرق صالح خيله ، وأكمن كمينا عن يمينه ، وكمينا عن يساره ، حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه ، جاء العدو باجتماع واسراع وصمت ، وصالح واقف في خيله ، فلما راوه شدوا عليه ، حتى إذا اختلفت الرماح شد الكمينان عن يمين وعن شمال ، فلم نسمع الا الاعتزاء ، فلم نر قوما كانوا أشد منهم . قال : وقال رجل من البراجم : حدثني زهير أو شعبه قال : انا لنختلف عليهم بالطعن والضرب إذ تبينت تحت الليل قتيبة ، وقد ضربت ضربه أعجبتني وانا انظر إلى قتيبة ، فقلت : كيف ترى بابى أنت وأمي ! قال : اسكت دق الله فاك ! قال : فقتلناهم فلم يفلت منهم الا الشريد ، وأقمنا نحوى الاسلاب ونحتز الرؤوس حتى أصبحنا ، ثم أقبلنا إلى العسكر ، فلم أر جماعه قط جاءوا بمثل ما جئنا به ، ما منا رجل الا معلق رأسا معروفا باسمه ، وأسير في وثاقه . قال : وجئنا قتيبة بالرءوس ، فقال : جزاكم الله عن الدين والاعراض خيرا وأكرمني قتيبة من غير أن يكون باح لي بشيء ، وقرن بي في الصلة والاكرام حيان العدوي وحليسا الشيباني ، فظننت انه رأى منهما مثل الذي رأى