محمد بن جرير الطبري
43
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فقال لهم ورقاء : يا قوم ، ما ذا ترون ؟ انه قد بلغني ان عبيد الله بن زياد قد اقبل إلينا في ثمانين ألفا من أهل الشام ، فأخذوا يتسللون ويرجعون ثم إن ورقاء دعا رؤوس الأرباع وفرسان أصحابه فقال لهم : يا هؤلاء ، ما ذا ترون فيما أخبرتكم ؟ انما انا رجل منكم ، ولست بأفضلكم رأيا ، فأشيروا على ، فان ابن زياد قد جاءكم في جند أهل الشام الأعظم ، وبجلتهم وفرسانهم واشرافهم ، ولا أرى لنا ولكم بهم طاقه على هذه الحال ، وقد هلك يزيد بن انس أميرنا ، وتفرقت عنا طائفه منا ، فلو انصرفنا اليوم من تلقاء أنفسنا قبل ان نلقاهم وقبل ان نبلغهم ، فيعلموا انا انما ردنا عنهم هلاك صاحبنا ، فلا يزالوا لنا هائبين لقتلنا منهم أميرهم ! ولانا انما نعتل لانصرافنا بموت صاحبنا وانا ان لقيناهم اليوم كنا مخاطرين ، فان هزمنا اليوم لم تنفعنا هزيمتنا إياهم من قبل اليوم قالوا : فإنك نعما رايت ، انصرف رحمك الله فانصرف ، فبلغ منصرفهم ذلك المختار وأهل الكوفة ، فارجف الناس ، ولم يعلموا كيف كان الأمر ان يزيد بن انس هلك ، وان الناس هزموا ، فبعث إلى المختار عامله على المدائن عينا له من أنباط السواد فأخبره الخبر ، فدعا المختار إبراهيم بن الأشتر فعقد له على سبعه آلاف رجل ، ثم قال له : سر حتى إذا أنت لقيت جيش ابن انس فارددهم معك ، ثم سر حتى تلقى عدوك فتناجزهم فخرج إبراهيم فوضع عسكره بحمام أعين قال أبو مخنف : فحدثني أبو زهير النضر بن صالح ، قال : لما مات يزيد انس التقى اشراف الناس بالكوفة فارجفوا بالمختار وقالوا : قتل يزيد بن انس ، ولم يصدقوا انه مات ، وأخذوا يقولون : والله لقد تأمر علينا هذا الرجل بغير رضا منا ، ولقد أدنى موالينا ، فحملهم على الدواب ، وأعطاهم وأطعمهم فيئنا ، ولقد عصتنا عبيدنا ، فحرب بذلك أيتامنا وأراملنا فاتعدوا منزل شبث بن ربعي وقالوا : نجتمع في منزل شيخنا - وكان شبث جاهليا اسلاميا - فاجتمعوا فاتوا منزله ، فصلى بأصحابه ، ثم تذاكروا هذا النحو من الحديث قال : ولم يكن فيما احدث المختار عليهم شيء هو أعظم من أن جعل للموالي