محمد بن جرير الطبري

399

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

لا خير في المقام في هذه البلاد ، وقد هابك القوم وهم لا يأمنونك فأقام عند دهقان نوقان أشهرا ، ثم خرج يلتمس ملكا يلجأ اليه أو حصنا ، فلم يأت بلدا الا كرهوا مقامه فيهم ، وسألوه ان يخرج عنهم . قال علي بن محمد : فاتى سمرقند فأقام بها ، وأكرمه طرخون ملكها ، واذن له في المقام ، فأقام ما شاء الله ، ولأهل الصغد مائدة يوضع عليها لحم ودك وخبز وإبريق شراب ، وذلك في كل عام يوما ، يجعل ذلك لفارس الصغد فلا يقربه أحد غيره ، هو طعامه في ذلك اليوم ، فان اكل منه أحد غيره بارزه فأيهما قتل صاحبه فالمائدة له ، فقال رجل من أصحاب موسى : ما هذه المائدة ؟ فأخبر عنها ، فسكت ، فقال صاحب موسى : لآكلن ما على هذه المائدة ، ولأبارزن فارس الصغد ، فان قتلته كنت فارسهم فجلس فأكل ما عليها ، وقيل لصاحب المائدة ، فجاء مغضبا ، فقال : يا عربي ، بارزني ، قال : نعم ، وهل أريد الا المبارزه ! فبارزه فقتله صاحب موسى ، فقال ملك الصغد : انزلتكم واكرمتكم فقتلتم فارس الصغد ! لولا انى أعطيتك وأصحابك الأمان لقتلتكم اخرجوا عن بلدي ، ووصله فخرج موسى فاتى كس فكتب صاحب كس إلى طرخون يستنصره ، فأتاه ، فخرج اليه موسى في سبعمائة فقاتلهم حتى أمسوا ، وتحاجزوا بأصحاب موسى جراح كثيره ، فلما أصبحوا امرهم موسى فحلقوا رؤوسهم كما يصنع الخوارج ، وقطعوا صفنات أخبيتهم كما يصنع العجم إذا استماتوا . وقال موسى لزرعه بن علقمة : انطلق إلى طرخون فاحتل له فأتاه ، فقال له طرخون : لم صنع أصحابك ما صنعوا ؟ قال : استقتلوا فما حاجتك إلى أن تقتل أيها الملك موسى وتقتل ! فإنك لا تصل اليه حتى يقتل مثل عدتهم منكم ، ولو قتلته وإياهم جميعا ما نلت حظا ، لان له قدرا في العرب ، فلا يلي أحد خراسان الا طالبك بدمه ، فان سلمت من واحد لم تسلم من آخر ، قال : ليس إلى ترك كس في يده سبيل ، قال : فكف عنه حتى