محمد بن جرير الطبري

365

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

امرئ بما فيه ممن كنا أحسنا اليه ، فاشتمه بقله شكره ولؤم عهده ، ومن علمت منه عيبا فعبه بما فيه ، وصغر اليه نفسه وكان لا يبايعه أحد الا قال له : ا تشهد انك قد كفرت ؟ فإذا قال : نعم ، بايعه والا قتله ، فجاء اليه رجل من خثعم قد كان معتزلا للناس جميعا من وراء الفرات ، فسأله عن حاله فقال : ما زلت معتزلا وراء هذه النطفة منتظرا امر الناس حتى ظهرت ، فأتيتك لأبايعك مع الناس ، قال : ا متربص ! ا تشهد انك كافر ؟ قال : بئس الرجل انا ان كنت عبدت الله ثمانين سنه ثم اشهد على نفسي بالكفر ، قال : إذا أقتلك ، قال : وان قتلتني فوالله ما بقي من عمرى الا ظمء حمار ، وانى لانتظر الموت صباح مساء قال : اضربوا عنقه فضربت عنقه ، فزعموا أنه لم يبق حوله قرشي ولا شامي ولا أحد من الحزبين الا رحمه ورثى له من القتل . ودعا بكميل بن زياد النخعي فقال له : أنت المقتص من عثمان أمير المؤمنين ؟ قد كنت أحب ان أجد عليك سبيلا ، فقال : والله ما ادرى على أينا أنت أشد غضبا ؟ عليه حين أقاد من نفسه ، أم على حين عفوت عنه ؟ ثم قال : أيها الرجل من ثقيف ، لا تصرف على أنيابك ، ولا تهدم على تهدم الكثيب ، ولا تكثر كشران الذئب ، والله ما بقي من عمرى الا ظمء الحمار ، فإنه يشرب غدوه ويموت عشيه ، ويشرب عشيه ويموت غدوه ، اقض ما أنت قاض ، فان الموعد الله ، وبعد القتل الحساب قال الحجاج : فان الحجة عليك ، قال : ذلك ان كان القضاء إليك ، قال : بلى ، كنت فيمن قتل عثمان ، وخلعت أمير المؤمنين ، اقتلوه فقدم فقتل ، قتله أبو الجهم بن كنانه الكلبي من بنى عامر بن عوف ، ابن عم منصور بن جمهور . واتى باخر من بعده ، فقال الحجاج : انى أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر ، فقال : ا خادعى عن نفسي ! انا اكفر أهل الأرض ، واكفر من فرعون ذي الأوتاد ، فضحك الحجاج وخلى سبيله . وأقام بالكوفة شهرا ، وعزل أهل الشام عن بيوت أهل الكوفة .