محمد بن جرير الطبري
361
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
اقبل ، فقالوا : قد جاء لا جاء الله به ! فدعا إلى المبارزه ، فقال الحجاج للجراح : اخرج اليه ، فخرج اليه ، فقال له عبد الله بن رزام - وكان له صديقا : ويحك يا جراح ! ما أخرجك إلى ! قال : قد ابتليت بك ، قال : فهل لك في خير ؟ قال : ما هو ؟ قال : انهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك ، واما انا فانى احتمل مقاله الناس في انهزامى عنك حبا لسلامتك ، فانى لا أحب ان اقتل من قومي مثلك ، قال : فافعل ، فحمل عليه فاخذ يستطرد له - وكان الحارثي قد قطعت لهاته ، وكان يعطش كثيرا ، وكان معه غلام له معه اداوه من ماء ، فكلما عطش سقاه الغلام - فاطرد له الحارثي ، وحمل عليه الجراح حمله بجد لا يريد الا قتله ، فصاح به غلامه : ان الرجل جاد في قتلك ! فعطف عليه فضربه بالعمود على رأسه فصرعه ، فقال لغلامه : انضح على وجهه من ماء الإداوة ، واسقه ، ففعل ذلك به ، فقال : يا جراح ، بئسما ما جزيتنى ، أردت بك العافية وأردت ان تزيرنى المنيه ! فقال : لم أرد ذلك ، فقال : انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة . قال محمد بن عمر الواقدي : حدثني ابن أبي سبره ، عن صالح بن كيسان ، قال : قال سعيد الحرشي : انا في صف القتال يومئذ إذ خرج رجل من أهل العراق ، يقال له : قدامه بن الحريش التميمي ، فوقف بين الصفين ، فقال : يا معشر جرامقه أهل الشام ، انا ندعوكم إلى كتاب الله وسنه رسوله ، فان أبيتم فليخرج إلى رجل ، فخرج اليه رجل من أهل الشام فقتله ، حتى قتل أربعة ، فلما رأى ذلك الحجاج امر مناديا فنادى : لا يخرج إلى هذا الكلب أحد ، قال : فكف الناس قال سعيد الحرشي : فدنوت من الحجاج فقلت : اصلح الله الأمير ! انك رايت الا يخرج إلى هذا الكلب أحد ، وانما هلك من هلك من هؤلاء النفر بآجالهم ، ولهذا الرجل اجل ، وأرجو ان يكون قد حضر ، فاذن لأصحابي الذين قدموا معي فليخرج اليه رجل منهم ، فقال الحجاج : ان هذا الكلب لم يزل هذا له عاده