محمد بن جرير الطبري

323

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ودنوا من مدينتهم ، وكانوا منها ثمانية عشر فرسخا ، فأخذوا على المسلمين العقاب والشعاب ، وخلوهم والرساتيق ، فسقط في أيدي المسلمين ، وظنوا ان قد هلكوا ، فبعث ابن أبي بكره إلى شريح بن هانئ : انى مصالح القوم على أن أعطيهم مالا ، ويخلوا بيني وبين الخروج ، فأرسل إليهم فصالحهم على سبعمائة ألف درهم ، فلقيه شريح فقال : انك لا تصالح على شيء الا حسبه السلطان عليكم في اعطياتكم ، قال : لو منعنا العطاء ما حيينا كان أهون علينا من هلاكنا ، قال شريح : والله لقد بلغت سنا ، وقد هلكت لداتي ، ما تأتي على ساعة من ليل أو نهار فاظنها تمضى حتى أموت ، ولقد كنت اطلب الشهادة منذ زمان ، ولئن فاتتنى اليوم ما اخالنى مدركها حتى أموت ، وقال : يا أهل الاسلام ، تعاونوا على عدوكم ، فقال له ابن أبي بكره : انك شيخ قد خرفت ، فقال شريح : انما حسبك ان يقال : بستان ابن أبي بكره وحمام ابن أبي بكره ، يا أهل الاسلام ، من أراد منكم الشهادة فإلى فاتبعه ناس من المتطوعه غير كثير ، وفرسان الناس وأهل الحفاظ ، فقاتلوا حتى أصيبوا الا قليلا ، فجعل شريح يرتجز يومئذ ويقول : أصبحت ذا بث اقاسى الكبرا قد عشت بين المشركين اعصرا ثمت أدركت النبي المنذرا وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا والجمع في صفينهم والنهرا وباجميرات مع المشقرا هيهات ما أطول هذا عمرا فقاتل حتى قتل في ناس من أصحابه ، ونجا من نجا ، فخرجوا من بلاد رتبيل حتى خرجوا منها ، فاستقبلهم من خرجوا إليهم من المسلمين بالاطعمه ، فإذا اكل أحدهم وشبع مات ، فلما رأى ذلك الناس حذروا يطعمونهم ، ثم جعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا ، حتى استمرءوا وبلغ ذلك الحجاج ، فأخذه ما تقدم وما تأخر ، وبلغ ذلك منه كل مبلغ ، وكتب إلى عبد الملك : اما بعد ، فان جند أمير المؤمنين الذين بسجستان أصيبوا فلم