محمد بن جرير الطبري

32

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الباب ، فقالوا : يا بن الأشتر ، آمنون نحن ؟ قال : أنتم آمنون ، فخرجوا فبايعوا المختار . قال أبو مخنف : فحدثني موسى بن عامر العدوي ، من عدى جهينة - وهو أبو الأشعر - ان المختار جاء حتى دخل القصر ، فبات به ، وأصبح اشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر ، وخرج المختار فصعد المنبر ، فحمد الله واثنى عليه ، فقال : الحمد لله الذي وعد وليه النصر ، وعدوه الخسر ، وجعله فيه إلى آخر الدهر ، وعدا مفعولا ، وقضاء مقضيا ، وقد خاب من افترى أيها الناس ، انه رفعت لنا رايه ، ومدت لنا غاية ، فقيل لنا في الراية : ان ارفعوها ولا تضعوها ، وفي الغاية : ان اجروا إليها ولا تعدوها ، في معنا دعوه الداعي ، ومقاله الواعي ، فكم من ناع وناعيه ، لقتلى في الواعية ! وبعدا لمن طغى وادبر ، وعصى وكذب وتولى ، الا فأدخلوا أيها الناس فبايعوا بيعه هدى ، فلا والذي جعل السماء سقفا مكفوفا ، والأرض فجاجا سبلا ، ما بايعتم بعد بيعه علي بن أبي طالب وآل على اهدى منها . ثم نزل فدخل ، ودخلنا عليه واشراف الناس ، فبسط يده ، وابتدره الناس فبايعوه ، وجعل يقول : تبايعوني على كتاب الله وسنه نبيه ، والطلب بدماء أهل البيت ، وجهاد المحلين ، والدفع عن الضعفاء ، وقتال من قاتلنا ، وسلم من سالمنا ، والوفاء ببيعتنا ، لا نقيلكم ولا نستقيلكم ، فإذا قال الرجل : نعم بايعه قال : فكأني والله انظر إلى المنذر بن حسان بن ضرار الضبي إذ أتاه حتى سلم عليه بالإمرة ، ثم بايعه وانصرف عنه ، فلما خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوري في عصابه من الشيعة واقفا عند المصطبة ، فلما راوه ومعه ابنه حيان بن المنذر ، قال رجل من سفهائهم : هذا والله من رؤوس الجبارين ، فشدوا عليه وعلى ابنه ، فقتلوهما ، فصاح بهم سعيد بن منقذ : لا تعجلوا ، لا تعجلوا حتى ننظر ما رأى أميركم فيه قال : وبلغ المختار ذلك ، فكرهه حتى رئى ذلك في وجهه ، واقبل المختار يمنى الناس ، ويستجر مودتهم وموده الاشراف ، ويحسن السيرة جهده