محمد بن جرير الطبري

280

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

على ميسره سفيان ، وقعنب وهو في ميسرته على ميمنته حمل هو على سفيان ، فاضطربنا طويلا من النهار ، حتى انحازوا فرجعوا إلى المكان الذي كانوا فيه ، فكر علينا هو وأصحابه أكثر من ثلاثين كره ، كل ذلك لا نزول من صفنا وقال لنا سفيان بن الأبرد : لا تتفرقوا ، ولكن لتزحف الرجال إليهم زحفا ، فوالله ما زلنا نطاعنهم ونضاربهم حتى اضطررناهم إلى الجسر ، فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه نحو من مائه رجل ، فقاتلناهم حتى المساء أشد قتال قاتله قوم قط ، فما هو الا ان نزلوا فأوقعوا لنا من الطعن والضرب شيئا ما رأينا مثله من قوم قط فلما رأى سفيان انه لا يقدر عليهم ، ولا يامن مع ذلك ظفرهم ، دعا الرماه فقال : ارشقوهم بالنبل ، وذلك عند المساء ، وكان التقاؤهم نصف النهار ، فرماهم أصحاب النبل بالنبل ، عند المساء ، وقد صفهم سفيان بن الأبرد على حده ، وبعث على المراميه رجلا ، فلما رشقوهم بالنبل ساعة شدوا عليهم ، فلما شدوا على رماتنا شددنا عليهم ، فشغلناهم عنهم ، فلما رموا بالنبل ساعة ركب شبيب وأصحابه ثم كروا على أصحاب النبل كره صرع منهم أكثر من ثلاثين رجلا ، ثم عطف بخيله علينا ، فمشى عامدا نحونا ، فطاعناه حتى اختلط الظلام ، ثم انصرف عنا ، فقال سفيان لأصحابه : أيها الناس ، دعوهم لا تتبعوهم حتى نصبحهم غدوه قال : فكففنا عنهم وليس شيء أحب إلينا من أن ينصرفوا عنا . قال أبو مخنف : فحدثني فروه بن لقيط ، قال : فما هو الا ان انتهينا إلى الجسر ، فقال : اعبروا معاشر المسلمين ، فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله ، فعبرنا امامه ، وتخلف في أخرانا ، فاقبل على فرسه ، وكانت بين يديه فرس أنثى ماذيانه ، فنزا فرسه عليها وهو على الجسر فاضطربت الماذيانة ، ونزل حافر رجل فرس شبيب على حرف السفينة ، فسقط في الماء ، فلما سقط قال : « لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا * » فارتمس في الماء ، ثم ارتفع فقال : « ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * »