محمد بن جرير الطبري

265

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فقاتل في الميمنه في رجال من بنى تميم وهمدان ، فأحسنوا القتال ، فما زالوا كذلك حتى أتوا فقيل لهم : قتل عتاب بن ورقاء ، فانفضوا ، ولم يزل عتاب جالسا على طنفسه في القلب وزهره بن حوية معه ، إذ غشيهم شبيب ، فقال له عتاب : يا زهره بن حوية ، هذا يوم كثر فيه العدد ، وقل فيه الغناء ، والهفى على خمسمائة فارس من نحو رجال تميم معي من جميع الناس ! الا صابر لعدوه ! الا مؤاس بنفسه ! فانفضوا عنه وتركوه ، فقال له زهره : أحسنت يا عتاب ، فعلت فعل مثلك ، والله والله لو منحتهم كتفك ما كان بقاؤك الا قليلا ، ابشر فانى أرجو ان يكون الله قد اهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا ، فقال له : جزاك الله خيرا ما جزى آمرا بمعروف وحاثا على تقوى . فلما دنا منه شبيب وثب في عصابه صبرت معه قليله ، وقد ذهب الناس يمينا وشمالا ، فقال له عمار بن يزيد الكلبي من بنى المدينة : أصلحك الله ! ان عبد الرحمن بن محمد قد هرب عنك فانصفق معه أناس كثير ، فقال له : قد فر قبل اليوم ، وما رايت ذلك الفتى يبالي ما صنع ، ثم قاتلهم ساعة وهو يقول : ما رايت كاليوم قط موطنا لم ابتل بمثله قط أقل مقاتلا ولا أكثر هاربا خاذلا ، فرآه رجل من بنى تغلب من أصحاب شبيب من بنى زيد بن عمرو يقال له عامر بن عمرو بن عبد عمرو ، وكان قد أصاب دما في قومه ، فلحق بشبيب ، وكان من الفرسان ، فقال لشبيب : والله انى لأظن هذا المتكلم عتاب بن ورقاء ! فحمل عليه فطعنه ، فوقع فكان هو ولى قتله ووطئت الخيل زهره بن حوية ، فاخذ يذب بسيفه وهو شيخ كبير لا يستطيع ان يقوم ، فجاء الفضل بن عامر الشيباني فقتله ، فانتهى اليه شبيب فوجده صريعا فعرفه ، فقال : من قتل هذا ؟ فقال الفضل : انا قتلته ، فقال شبيب : هذا زهره حوية ، اما والله لئن كنت قتلت على ضلاله لرب يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك ، وعظم فيه غناؤك ! ولرب خيل للمشركين قد هزمتها ، وسريه لهم قد