محمد بن جرير الطبري
188
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الطاعة ! فلم تزل الحرب بين ابن الزبير والحجاج حتى كان قبيل مقتله وقد تفرق عنه أصحابه ، وخرج عامه أهل مكة إلى الحجاج في الأمان . حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني إسحاق بن عبد الله ، عن المنذر بن جهم الأسدي ، قال : رايت ابن الزبير يوم قتل وقد تفرق عنه أصحابه وخذله من معه خذلانا شديدا ، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج حتى خرج اليه نحو من عشره آلاف . وذكر انه كان ممن فارقه وخرج إلى الحجاج ابناه حمزه وخبيب 3 ، فأخذا منه لأنفسهما أمانا ، فدخل على أمه أسماء - كما ذكر محمد بن عمر عن أبي الزناد ، عن مخرمة بن سليمان الوالبي ، قال : دخل ابن الزبير على أمه حين رأى من الناس ما رأى من خذلانهم ، فقال : يا أمه ، خذلنى الناس حتى ولدى وأهلي ، فلم يبق معي الا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة ، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا ، فما رأيك ؟ فقالت : أنت والله يا بنى اعلم بنفسك ، ان كنت تعلم انك على حق واليه تدعو فامض له ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان أمية ، وان كنت انما أردت الدنيا فبئس العبد أنت ! أهلكت نفسك ، وأهلكت من قتل معك ، وان قلت : كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت ، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين ، وكم خلودك في الدنيا ! القتل أحسن فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال : هذا والله رأيي ، والذي قمت به داعيا إلى يومى هذا ما ركنت إلى الدنيا ، ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج الا الغضب لله ان تستحل حرمه ، ولكني أحببت ان اعلم رأيك ، فزدتينى ، بصيره مع بصيرتي . فانظري يا أمه فانى مقتول من يومى هذا ، فلا يشتد حزنك ، وسلمى الأمر لله ، فان ابنك لم يتعمد اتيان منكر ، ولا عملا بفاحشة ، ولم يجر في