محمد بن جرير الطبري

61

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

مضى على غير بعيد ، فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصاري ، فدنا منه ، وسلم عليه وسايره ، [ فقال له : ما سمعت الناس يقولون في أمرنا ؟ قال : منهم المعجب به ، ومنهم الكاره له ، كما قال عز وجل : « وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ » فقال له : فما قول ذوى الرأي فيه ؟ قال : اما قولهم فيه فيقولون ان عليا كان له جمع عظيم ففرقه ، وكان له حصن حصين فهدمه ، فحتى متى يبنى ما هدم ، وحتى متى يجمع ما فرق ! فلو انه كان مضى بمن أطاعه - إذ عصاه من عصاه - فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذا كان ذلك الحزم فقال على : انا هدمت أم هم هدموا ! انا فرقت أم هم فرقوا ! اما قولهم : انه لو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك ، إذا كان ذلك الحزم ، فوالله ما غبي عن رأيي ذلك ، وان كنت لسخيا بنفسي عن الدنيا ، طيب النفس بالموت ، ولقد هممت بالاقدام على القوم ، فنظرت إلى هذين قد ابتدرانى - يعنى الحسن والحسين - ونظرت إلى هذين قد استقدماني - يعنى عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي - فعلمت ان هذين ان هلكا انقطع نسل محمد ص من هذه الامه ، فكرهت ذلك ، وأشفقت على هذين ان يهلكا ، وقد علمت أن لولا مكاني لم يستقدما - يعنى محمد بن علي وعبد الله بن جعفر - وأيم الله لئن لقيتهم بعد يومى هذا لالقينهم وليسوا معي في عسكر ولا دار ] ثم مضى حتى إذا جزنا بنى عوف إذا نحن عن ايماننا بقبور سبعه أو ثمانية ، فقال على : ما هذه القبور ؟ فقال قدامه بن العجلان الأزدي : يا أمير المؤمنين ، ان خباب ابن الأرت توفى بعد مخرجك ، فأوصى بان يدفن في الظهر ، وكان الناس انما يدفنون في دورهم وأفنيتهم ، فدفن بالظهر رحمه الله ، ودفن الناس [ إلى جنبه ، فقال على : رحم الله خبابا ، فقد اسلم راغبا ، وهاجر طائعا ، وعاش مجاهدا ، وابتلى في جسمه أحوالا ! و إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ * مَنْ أَحْسَنَ