محمد بن جرير الطبري

598

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فأكثرنا الجراح ، وأصبنا لهم دواب ، وخرجوا عن عسكرهم وخلوه لنا ، فأخذنا منه ما خف علينا ، فصاح المسيب فينا : الرجعة ، انكم قد نصرتم ، وغنمتم وسلمتم ، فانصرفوا ، فانصرفنا حتى أتينا سليمان . قال : فاتى الخبر عبيد الله بن زياد ، فسرح إلينا الحصين بن نمير مسرعا حتى نزل في اثنى عشر ألفا ، فخرجنا إليهم يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الأولى ، فجعل سليمان بن صرد عبد الله بن سعد بن نفيل على ميمنته ، وعلى ميسرته المسيب بن نجبه ، ووقف هو في القلب ، وجاء حصين بن نمير وقد عبا لنا جنده ، فجعل على ميمنته جبله بن عبد الله ، وعلى ميسرته ربيعه بن المخارق الغنوي ثم زحفوا إلينا ، فلما دنوا دعونا إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان وإلى الدخول في طاعته ، ودعوناهم إلى أن يدفعوا إلينا عبيد الله بن زياد فنقتله ببعض من قتل من إخواننا ، وان يخلعوا عبد الملك بن مروان ، وإلى أن يخرج من ببلادنا من آل ابن الزبير ، ثم نرد هذا الأمر إلى أهل بيت نبينا الذين آتانا الله من قبلهم بالنعمة والكرامة ، فأبى القوم وأبينا . قال حميد بن مسلم : فحملت ميمنتنا على ميسرتهم وهزمتهم ، وحملت ميسرتنا على ميمنتهم ، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم ، فهزمناهم حتى اضطررناهم إلى عسكرهم ، فما زال الظفر لنا عليهم حتى حجز الليل بيننا وبينهم ، ثم انصرفنا عنهم وقد حجزناهم في عسكرهم ، فلما كان الغد صبحهم ابن ذي الكلاع في ثمانية آلاف ، أمدهم بهم عبيد الله ابن زياد ، وبعث اليه يشتمه ، ويقع فيه ، ويقول : انما عملت عمل الاغمار ، تضيع عسكرك ومسالحك ! سر إلى الحصين بن نمير حتى توافيه وهو على الناس ، فجاءه ، فغدوا علينا وغاديناهم ، فقاتلناهم قتالا لم ير الشيب والمرد مثله قط يومنا كله ، لا يحجز بيننا وبين القتال الا الصلاة حتى أمسينا فتحاجزنا ، وقد والله أكثروا فينا الجراح ، وافشيناها فيهم ، قال : وكان فينا قصاص ثلاثة : رفاعة بن شداد البجلي ، وصحير بن حذيفة بن هلال بن مالك المري ، وأبو الجويرية العبدي ، فكان رفاعة يقص ويحضض الناس في الميمنه ، لا يبرحها ، وجرح أبو الجويرية اليوم الثاني في أول النهار ، فلزم الرحال ، وكان صحير ليلته كلها يدور