محمد بن جرير الطبري

595

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

قاتلناهم جميعا فقال سليمان لزفر : قد أرادنا أهل مصرنا على مثل ما أردتنا عليه ، وذكروا مثل الذي ذكرت ، وكتبوا إلينا به بعد ما فصلنا ، فلم يوافقنا ذلك ، فلسنا فاعلين ، فقال زفر : فانظروا ما أشير به عليكم فاقبلوه ، وخذوا به ، فانى للقوم عدو ، وأحب ان يجعل الله عليهم الدائرة ، وانا لكم واد ، أحب ان يحوطكم الله بالعافية ، ان القوم قد فصلوا من الرقة ، فبادروهم إلى عين الورده ، فاجعلوا المدينة في ظهوركم ، ويكون الرستاق والماء والماد في أيديكم ، وما بين مدينتنا ومدينتكم فأنتم له آمنون ، والله لو أن خيولى كرجالى لامددتكم ، اطووا المنازل الساعة إلى عين الورده ، فان القوم يسيرون سير العساكر ، وأنتم على خيول ، والله لقل ما رايت جماعه خيل قط أكرم منها ، تأهبوا لها من يومكم هذا فانى أرجو ان تسبقوهم إليها ، وان بدرتموهم إلى عين الورده فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنونهم ، فإنهم أكثر منكم فلا آمن ان يحيطوا بكم ، فلا تقفوا لهم ترامونهم وتطاعنونهم ، فإنه ليس لكم مثل عددهم ، فان استهدفتم لهم لم يلبثوكم ان يصرعوكم ، ولا تصفوا لهم حين تلقونهم ، فانى لا أرى معكم رجاله ، ولا أراكم كلكم الا فرسانا ، والقوم لاقوكم بالرجال والفرسان ، فالفرسان تحمى رجالها ، والرجال تحمى فرسانها ، وأنتم ليس لكم رجال تحمى فرسانكم ، فالقوهم في الكتائب والمقانب ، ثم بثوها ما بين ميمنتهم وميسرتهم ، واجعلوا مع كل كتيبه كتيبه إلى جانبها فان حمل على احدى الكتيبتين ترجلت الأخرى فنفست عنها الخيل والرجال ، ومتى ما شاءت كتيبه ارتفعت ، ومتى ما شاءت كتيبه انحطت ، ولو كنتم في صف واحد فزحفت إليكم الرجال فدفعتم عن الصف انتقض وكانت الهزيمة ، ثم وقف فودعهم ، وسال الله ان يصحبهم وينصرهم فاثنى الناس عليه ، ودعوا له ، فقال له سليمان بن صرد : نعم المنزول به أنت ! أكرمت النزول ، وأحسنت الضيافة ، ونصحت في المشورة ثم إن القوم وجدوا في المسير ، فجعلوا يجعلون كل مرحلتين مرحلة ، قال : فمررنا بالمدن حتى