محمد بن جرير الطبري
495
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وقد ذكر من امر وقعه الحرة ومقتل ابن الغسيل امر غير الذي روى عن أبي مخنف ، عن الذين روى ذلك عنهم ، وذلك ما حدثني أحمد بن زهير قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا جويرية بن أسماء ، قال : سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون ان معاوية لما حضرته الوفاة دعا يزيد فقال له : ان لك من أهل الدنيا يوما ، فان فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبه ، فإنه رجل قد عرفت نصيحته فلما هلك معاوية وفد اليه وفد من أهل المدينة ، وكان ممن وفد عليه عبد الله بن حنظله بن أبي عامر ، وكان شريفا فاضلا سيدا عابدا ، معه ثمانية بنين له ، فأعطاه مائه ألف درهم ، واعطى بنيه لكل واحد منهم عشره آلاف سوى كسوتهم وحملانهم ، فلما قدم المدينة عبد الله بن حنظله أتاه الناس فقالوا : ما وراءك ؟ قال : جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد الا بنى هؤلاء لجاهدته بهم ، قالوا : قد بلغنا انه اجداك وأعطاك وأكرمك ، قال : قد فعل ، وما قبلت منه الا لاتقوى به ، وحضض الناس فبايعوه ، فبلغ ذلك يزيد ، فبعث مسلم بن عقبه إليهم ، وقد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين الشام ، فصبوا فيه زقا من قطران ، وعور ، فأرسل الله السماء عليهم ، فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة ، فخرج إليهم أهل المدينة ، بجموع كثيره ، وهيئة لم ير مثلها فلما رآهم أهل الشام هابوهم وكرهوا قتالهم ، ومسلم شديد الوجع ، فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة ، واقحم عليهم بنو حارثة أهل الشام ، وهم على الجد ، فانهزم الناس ، فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل من الناس ، فدخلوا المدينة ، وهزم الناس وعبد الله بن حنظله مستند إلى أحد بنيه يغط نوما ، فنبهه ابنه ، فلما فتح عينيه فرأى ما صنع الناس امر أكبر بنيه ، فتقدم حتى قتل ، فدخل مسلم بن عقبه المدينة ، فدعا الناس للبيعه على أنهم خول ليزيد بن معاوية ، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء .