محمد بن جرير الطبري

480

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الأمور ، ولم يحنكه السن ، ولم تضرسه التجارب ، وكان لا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله ، وبعث إلى يزيد وفدا من أهل المدينة فيهم عبد الله بن حنظله الغسيل الأنصاري وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي ، والمنذر بن الزبير ، ورجالا كثيرا من اشراف أهل المدينة ، فقدموا على يزيد بن معاوية ، فاكرمهم ، وأحسن إليهم ، وأعظم جوائزهم ثم انصرفوا من عنده ، وقدموا المدينة كلهم الا المنذر ابن الزبير فإنه قدم على عبيد الله بن زياد بالبصرة - وكان يزيد قد اجازه بمائه ألف درهم - فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعتبة ، وقالوا : انا قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، ويعزف بالطنابير ، ويضرب عنده القيان ، ويلعب بالكلاب ، ويسامر الخراب والفتيان ، وانا نشهدكم انا قد خلعناه ، فتابعهم الناس . قال لوط بن يحيى : فحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق ، ان الناس أتوا عبد الله بن حنظله الغسيل فبايعوه وولوه عليهم . قال لوط : وحدثني أيضا محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف : ورجع المنذر من عند يزيد بن معاوية ، فقدم على عبيد الله بن زياد البصرة ، فأكرمه وأحسن ضيافته ، وكان لزياد صديقا ، إذ سقط اليه كتاب من يزيد بن معاوية حيث بلغه امر أصحابه بالمدينة ان أوثق المنذر بن الزبير واحبسه عندك حتى يأتيك فيه امرى ، فكره ذلك عبيد الله ابن زياد لأنه ضيفه ، فدعاه فأخبره بالكتاب واقراه إياه ، وقال له : انك كنت لزياد ودا وقد أصبحت لي ضيفا ، وقد آتيت إليك معروفا ، فانا أحب ان اسدى ذلك كله باحسان ، فإذا اجتمع الناس عندي فقم فقل : ائذن لي فلانصرف إلى بلادي ، فإذا قلت : لا بل أقم عندي فان لك الكرامة والمواساه والأثرة ، فقل : لي ضيعه وشغل ، لا أجد من الانصراف بدا فاذن لي ، فانى آذن لك عند ذلك ، فالحق باهلك . فلما اجتمع الناس عند عبيد الله قام اليه فاستأذنه فقال : لا بل أقم عندي فانى مكرمك ومواسيك ومؤثرك ، فقال له : ان لي ضيعه وشغلا ،