محمد بن جرير الطبري
475
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
كان الله عز وجل لم يطلع على الغيب أحدا انه مقتول ، ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة ، فرحم الله حسينا ، واخزى قاتل حسين ! لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناه عنهم ، ولكنه ما حم نازل ، وإذا أراد الله امرا لن يدفع ا فبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهدا ! لا ، ولا نراهم لذلك أهلا ، اما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه ، كثيرا في النهار صيامه ، أحق بما هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل ، اما والله ما كان يبدل بالقرآن الغناء ، ولا بالبكاء من خشيه الله الحداء ، ولا بالصيام شرب الحرام ، ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد - يعرض بيزيد - فسوف يلقون غيا . فثار اليه أصحابه فقالوا له : أيها الرجل اظهر بيعتك ، فإنه لم يبق أحد إذ هلك حسين ينازعك هذا الأمر وقد كان يبايع الناس سرا ، ويظهر انه عائذ بالبيت ، فقال لهم : لا تعجلوا - وعمرو بن سعيد بن العاص يومئذ عامل مكة ، وقد كان أشد شيء عليه وعلى أصحابه ، وكان مع شدته عليهم يدارى ويرفق - فلما استقر عند يزيد بن معاوية ما قد جمع ابن الزبير من الجموع بمكة ، اعطى الله عهدا ليوثقنه في سلسله ، فبعث بسلسله من فضه ، فمر بها البريد على مروان بن الحكم بالمدينة ، فأخبر خبر ما قدم له وبالسلسلة التي معه ، فقال مروان : خذها فليست للعزيز بخطه * وفيها مقال لامرئ متضعف ثم مضى من عنده حتى قدم على ابن الزبير ، فاتى ابن الزبير فأخبره بممر البريد على مروان ، وتمثل مروان بهذا البيت ، فقال ابن الزبير : لا والله لا أكون انا ذلك المتضعف ، ورد ذلك البريد ردا رقيقا . وعلا امر ابن الزبير بمكة ، وكاتبه أهل المدينة ، وقال الناس : اما إذ هلك الحسين ع فليس أحد ينازع ابن الزبير