محمد بن جرير الطبري

428

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وجعجعت بك في هذا المكان ، والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت ان القوم يردون عليك ما عرضت عليهم ابدا ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة فقلت في نفسي : لا أبالي ان أطيع القوم في بعض امرهم ، ولا يرون انى خرجت من طاعتهم واما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم ، وو الله لو ظننت انهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك ، وانى قد جئتك تائبا مما كان منى إلى ربى ، ومواسيا لك بنفسي حتى أموت بين يديك ، ا فترى ذلك لي توبه ؟ قال : نعم ، يتوب الله عليك ، ويغفر لك ، ما اسمك ؟ قال : انا الحر بن يزيد ، [ قال : أنت الحر كما سمتك أمك ، أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والآخرة ، انزل ، قال : انا لك فارسا خير منى راجلا ، أقاتلهم على فرسي ساعة ، وإلى النزول ما يصير آخر امرى قال الحسين : فاصنع يرحمك الله ما بدا لك ] فاستقدم امام أصحابه ثم قال : أيها القوم ، الا تقبلون من حسين خصله من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله ؟ قالوا : هذا الأمير عمر بن سعد فكلمه ، فكلمه بمثل ما كلمه به قبل ، وبمثل ما كلم به أصحابه ، قال عمر : قد حرصت ، لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت ، فقال : يا أهل الكوفة ، لامكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم اسلمتموه ، وزعمتم انكم قاتلو أنفسكم دونه ، ثم عدوتم عليه لتقتلوه ، أمسكتم بنفسه ، وأخذتم بكظمه ، وأحطتم به من كل جانب ، فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يامن ويامن أهل بيته ، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ، ولا يدفع ضرا ، وحلأتموه ونساءه واصيبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني ، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، وها هم أولاء قد صرعهم العطش ، بئسما خلفتم محمدا في ذريته ! لا سقاكم الله يوم الظما ان لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه فحملت عليه رجاله