محمد بن جرير الطبري

412

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

قال : فلما اتى عمر بن سعد الكتاب ، قال : قد حسبت الا يقبل ابن زياد العافية . قال أبو مخنف : حدثني سليمان بن أبي راشد ، عن حميد بن مسلم الأزدي ، قال : جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد : اما بعد ، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، ولا يذوقوا منه قطره ، كما صنع بالتقى الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان قال : فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس ، فنزلوا على الشريعة ، وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء ان يسقوا منه قطره ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث . قال : ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي - وعداده في بجيله - فقال : يا حسين ، الا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء ! والله لا تذوق منه قطره حتى تموت عطشا ، فقال حسين : اللهم اقتله عطشا ، ولا تغفر له ابدا . قال حميد بن مسلم : والله لعدته بعد ذلك في مرضه ، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رايته يشرب حتى بغر ، ثم يقيء ، ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى ، فما زال ذلك دابه حتى لفظ عصبه يعنى نفسه - قال : ولما اشتد على الحسين وأصحابه العطش دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه ، فبعثه في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ، وبعث معهم بعشرين قربه ، فجاءوا حتى دنوا من الماء ليلا واستقدم امامهم باللواء نافع بن هلال الجملي ، فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي : من الرجل ؟ فجيء فقال : ما جاء بك ؟ قال : جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه ، قال : فاشرب هنيئا ، قال : لا والله ، لا اشرب منه قطره وحسين عطشان ومن ترى من أصحابه ، فطلعوا عليه ، فقال : لا سبيل إلى سقى هؤلاء ، انما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء ، فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله : املئوا قربكم ، فشد الرجاله فملئوا قربهم ، وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه ، فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال فكفوهم ، ثم انصرفوا إلى رحالهم ، فقالوا : امضوا ، ووقفوا دونهم ، فعطف