محمد بن جرير الطبري

342

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

له الحسين : فانى ذاهب يا أخي ، قال : فانزل مكة فان اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك ، وان نبت بك لحقت بالرمال ، وشعف الجبال ، وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير امر الناس ، وتعرف عند ذلك الرأي ، فإنك أصوب ما تكون رأيا واحزمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا ، ولا تكون الأمور عليك ابدا أشكل منها حين تستدبرها استدبارا ، [ قال : يا أخي ، قد نصحت فأشفقت ، فأرجو ان يكون رأيك سديدا موفقا ] . قال أبو مخنف : وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق ، عن أبي سعد المقبري ، قال : نظرت إلى الحسين داخلا مسجد المدينة وانه ليمشى وهو معتمد على رجلين ، يعتمد على هذا مره وعلى هذا مره ، وهو يتمثل بقول ابن مفرغ : لا ذعرت السوام في فلق الصبح * مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم اعطى من المهابة ضيما * والمنايا يرصدننى ان احيدا قال : فقلت في نفسي : والله ما تمثل بهذين البيتين الا لشيء يريد ، قال : فما مكث الا يومين حتى بلغني انه سار إلى مكة . ثم إن الوليد بعث إلى عبد الله بن عمر فقال : بايع ليزيد ، فقال : إذا بايع الناس بايعت ، فقال رجل : ما يمنعك ان تبايع ؟ انما تريد ان يختلف الناس فيقتتلوا ويتفانوا ، فإذا جهدهم ذلك قالوا : عليكم بعبد الله بن عمر ، لم يبق غيره ، بايعوه ! قال عبد الله : ما أحب ان يقتتلوا ولا يختلفوا ولا يتفانوا ، ولكن إذا بايع الناس ولم يبق غيرى بايعت ، قال : فتركوه وكانوا لا يتخوفونه