محمد بن جرير الطبري

246

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وهي قصيدة طويله ومدحهم بقصائد اخر غيرها . قال : فكان الفرزدق إذا نزل زياد البصرة نزل الكوفة ، وإذا نزل زياد الكوفة نزل الفرزدق البصرة ، وكان زياد ينزل البصرة سته اشهر والكوفة سته اشهر ، فبلغ زيادا اما صنع الفرزدق ، فكتب إلى عامله على الكوفة عبد الرحمن ابن عبيد : انما الفرزدق فحل الوحوش يرعى القفار ، فإذا ورد عليه الناس ذعر ففارقهم إلى ارض أخرى فرتع ، فاطلبه حتى تظفر به قال الفرزدق : فطلبت أشد طلب ، حتى جعل من كان يؤويني يخرجني من عنده ، فضاقت على الأرض ، فبينا انا ملفف راسي في كسائي على ظهر الطريق ، إذ مر بي الذي جاء في طلبي ، فلما كان الليل اتيت بعض اخوالى من بنى ضبة وعندهم عرس - ولم أكن طعمت قبل ذلك طعاما ، فقلت : آتيهم فأصيب من الطعام - قال : فبينا انا قاعد إذ نظرت إلى هادي فرس وصدر رمح قد جاوز باب الدار داخلا إلينا ، فقاموا إلى حائط قصب فرفعوه ، فخرجت منه ، وألقوا الحائط فعاد مكانه ، ثم قالوا : ما رأيناه ، وبحثوا ساعة ثم خرجوا ، فلما أصبحنا جاءوني فقالوا : اخرج إلى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك ، فلو ظفر بك البارحة أهلكتنا ، وجمعوا ثمن راحلتين ، وكلموا لي مقاعسا أحد بنى تيم الله ابن ثعلبه - وكان دليلا يسافر للتجار - قال : فخرجنا إلى بانقيا حتى انتهينا إلى بعض القصور التي تنزل ، فلم يفتح لنا الباب ، فالقينا رحالنا إلى جنب الحائط والليلة مقمره ، فقلت : يا مقاعس ، ا رايت ان بعث زياد بعد ما نصبح إلى العتيق رجالا ، ا يقدرون علينا ؟ قال : نعم ، يرصدوننا - ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خندق كان للعجم - قال : فقلت : ما تقول العرب ؟ قال : يقولون : امهله يوما وليله ثم خذه فارتحل ، فقال إني أخاف السباع ، فقلت : السباع أهون من زياد ، فارتحلنا لا نرى شيئا الا خلفناه ، ولزمنا شخص لا يفارقنا ، فقلت : يا مقاعس ، ا ترى هذا الشخص ! لم نمرر