محمد بن جرير الطبري
103
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
نصيح ، واقسم انك عندي ظنين ، وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيي وامرى ، وندموا على اتباعى ، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياءه فحسبنا الله رب العالمين ، وتوكلنا على الله رب العرش العظيم ، والسلام . قال : اقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر ، فقام محمد بن أبي بكر في الناس ، فحمد الله واثنى عليه وصلى على رسوله ، ثم قال : اما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين ، فان القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة ، وينعشون الضلال ، ويشبون نار الفتنة ، ويتسلطون بالجبرية ، قد نصبوا لكم العداوة ، وساروا إليكم بالجنود عباد الله ! فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله ، انتدبوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانه ابن بشر . قال : فانتدب معه نحو من الفي رجل ، وخرج محمد في الفي رجل . واستقبل عمرو بن العاص كنانه وهو على مقدمه محمد ، فاقبل عمرو نحو كنانه ، فلما دنا من كنانه سرح الكتائب كتيبه بعد كتيبه ، فجعل كنانه لا تأتيه كتيبه من كتائب أهل الشام الا شد عليها بمن معه ، فيضربها حتى يقربها لعمرو بن العاص ففعل ذلك مرارا ، فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حديج السكوني ، فأتاه في مثل الدهم ، فاحاط بكنانه وأصحابه ، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب ، فلما رأى ذلك كنانه بن بشر نزل عن فرسه ، ونزل أصحابه وكنانه يقول : « وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ » فصار بهم بسيفه حتى استشهد رحمه الله واقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبي بكر ، وقد تفرق عنه أصحابه لما بلغهم قتل كنانه ، حتى بقي وما معه أحد من أصحابه فلما رأى ذلك محمد خرج يمشى في الطريق حتى انتهى إلى خربه في ناحية الطريق ، فاوى إليها ، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط وخرج معاوية بن حديج في