محمد بن جرير الطبري

323

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ويسمرون عنده ، وانه سمر عنده ليله وجوه أهل الكوفة ، منهم مالك بن كعب الارحبى ، والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس النخعيان ، وفيهم مالك الأشتر في رجال ، فقال سعيد : انما هذا السواد بستان لقريش ، فقال الأشتر : ا تزعم أن السواد الذي افاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك ! والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيبا الا ان يكون كأحدنا ، وتكلم معه القوم . قال : فقال عبد الرحمن الأسدي - وكان على شرطه سعيد : ا تردون على الأمير مقالته ! وأغلظ لهم ، فقال الأشتر : من هاهنا ! لا يفوتنكم الرجل ، فوثبوا عليه فوطئوه وطأ شديدا ، حتى غشى عليه ، ثم جر برجله فالقى ، فنضح بماء فأفاق ، فقال له سعيد : ا بك حياه ؟ فقال : قتلني من انتخبت - زعمت - للإسلام ، فقال : والله لا يسمر منهم عندي أحد ابدا ، فجعلوا يجلسون في مجالسهم وبيوتهم يشتمون عثمان وسعيدا ، واجتمع الناس إليهم ، حتى كثر من يختلف إليهم فكتب سعيد إلى عثمان يخبره بذلك ، ويقول : ان رهطا من أهل الكوفة - سماهم له عشره - يؤلبون ويجتمعون على عيبك وعيبي والطعن في ديننا ، وقد خشيت ان ثبت امرهم ان يكثروا ، فكتب عثمان إلى سعيد : ان سيرهم إلى معاوية - ومعاوية يومئذ على الشام - فسيرهم - وهم تسعه نفر - إلى معاوية ، فيهم مالك الأشتر ، وثابت بن قيس بن منقع ، وكميل بن زياد النخعي ، وصعصعة بن صوحان . ثم ذكر نحو حديث السرى ، عن شعيب ، الا أنه قال : فقال صعصعة : فان اخترقت الجنة ، ا فليس يخلص إلينا ؟ فقال معاوية : ان الجنة لا تخترق ، فضع امر قريش على أحسن ما يحضرك . وزاد فيه أيضا : ان معاوية لما عاد إليهم من القابلة وذكرهم ، قال فيما يقول : وانى والله ما آمركم بشيء الا قد بدأت فيه بنفسي وأهل بيتي وخاصتي ، وقد عرفت قريش ان أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها ، الا ما جعل الله لنبيه نبي الرحمة ص ، فان الله انتخبه وأكرمه ، فلم يخلق في أحد من الأخلاق الصالحة شيئا الا اصفاه الله بأكرمها وأحسنها ، ولم يخلق من الأخلاق السيئة شيئا في أحد الا أكرمه الله عنها ونزهه ، وانى لأظن ان