محمد بن جرير الطبري

298

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

أصل إلى ذلك الا بزمزمه وكان رجل من زمازمه مرو اخرج حنطه له ليطحنها ، فكلمه الطحان ان يزمزم عنده ليأكل ، ففعل ذلك ، فلما انصرف سمع أبا براز يذكر يزدجرد ، فسألهم عن حليته ، فوصفوه له ، فأخبرهم انه رآه في بيت طحان ، وهو رجل جعد مقرون حسن الثنايا ، مقرط مسور . فوجه اليه عند ذلك رجلا من الأساورة ، وامره ان هو ظفر به ان يخنقه بوتر ، ثم يطرحه في نهر مرو ، فلقوا الطحان ، فضربوه ليدل عليه فلم يفعل ، وجحدهم ان يكون يعرف اين توجه فلما أرادوا الانصراف عنه قال لهم رجل منهم : انى أجد ريح المسك ، ونظر إلى طرف ثوبه من ديباج في الماء ، فاجتذبه اليه ، فإذا هو يزدجرد ، فسأله الا يقتله ولا يدل عليه ، ويجعل له خاتمه وسواره ومنطقته ، قال الآخر : أعطني أربعة دراهم واخلى عنك ، قال يزدجرد : ويحك خاتمي لك ، وثمنه لا يحصى ! فأبى عليه ، قال يزدجرد : قد كنت اخبر انى ساحتاج إلى أربعة دراهم ، واضطر إلى أن يكون اكلى اكل الهر ، فقد عاينت ، وجاءني بحقيقته ، وانتزع أحد قرطيه فأعطاه الطحان مكافاه له لكتمانه عليه ، ودنا منه كأنه يكلمه بشيء ، فوصف له موضعه ، وانذر الرجل أصحابه ، فاتوه ، فطلب إليهم يزدجرد الا يقتلوه وقال : ويحكم ! انا نجد في كتبنا ان من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا ، مع ما هو قادم عليه ، فلا تقتلوني وآتوني الدهقان أو سرحونى إلى العرب ، فإنهم يستحيون مثلي من الملوك ، فأخذوا ما كان عليه من الحلى ، فجعلوه في جراب ، وختموا عليه ، ثم خنقوه بوتر ، وطرحوه في نهر مرو ، فجرى به الماء حتى انتهى إلى فوهه الرزيق ، فتعلق بعود ، فأتاه أسقف مرو ، فحمله ولفه في طيلسان ممسك ، وجعله في تابوت ، وحمله إلى بائى بابان أسفل ماجان ، فوضعه في عقد كان يكون مجلس الأسقف فيه وردمه ، وسال أبو براز عن أحد القرطين حين افتقده ، فاخذ الذي دل عليه فضربه حتى اتى على نفسه ، وبعث بما أصيب له إلى الخليفة يومئذ ، فاغرم الخليفة الدهقان قيمه القرط المفقود