محمد بن جرير الطبري

295

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وقال آخرون في ذلك ما ذكر هشام بن محمد ، انه ذكر له ان يزدجرد هرب بعد وقعه نهاوند ، وكانت آخر وقعاتهم حتى سقط إلى ارض أصبهان ، وبها رجل يقال له مطيار من دهاقينها - وهو المنتدب كان لقتال العرب حين نكلت الأعاجم عنها - فدعاهم إلى نفسه ، فقال : ان وليت أموركم وسرت بكم إليهم ما تجعلون لي ؟ فقالوا : نقر لك بفضلك فسار بهم ، فأصاب من العرب شيئا يسيرا ، فحظى به عندهم ، ونال به أفضل الدرجات فيهم . فلما رأى يزدجرد امر أصبهان ونزلها ، أتاه مطيار ذات يوم زائرا ، فحجبه بوابه ، وقال له : قف حتى استأذن لك عليه ، فوثب عليه فشجه انفه وحميه لحجبه إياه ، ودخل البواب على يزدجرد مدمى ، فلما نظر اليه أفظعه ذلك ، وركب من ساعته مرتحلا عن أصبهان ، وأشير عليه ان يأتي أقصى مملكته فيكون بها ، لاشتغال العرب عنه بما هم فيه إلى يوم فسار متوجها إلى ناحية الري ، فلما قدمها خرج اليه صاحب طبرستان ، وعرض عليه بلاده ، واخبره بحصانتها ، وقال له : ان أنت لم تجبني يومك هذا ثم أتيتني بعد ذلك لم اقبلك ولم آوك ، فأبى عليه يزدجرد ، وكتب له بالاصبهبذيه ، وكان له فيما خلا عليه درجه أوضع منها . وقال بعضهم : ان يزدجرد مضى من فوره ذلك إلى سجستان ، ثم سار منها إلى مرو في الف رجل من الأساورة . وقال بعضهم : ان يزدجرد وقع إلى ارض فارس ، فأقام بها أربع سنين ، ثم اتى ارض كرمان ، فأقام بها سنتين أو ثلاث سنين ، فطلب اليه دهقان كرمان ان يقيم عنده ، فلم يفعل ، وطلب من الدهقان ان يعطيه رهينه ، فلم يعطه دهقان كرمان شيئا ، فلم يعطه ما طلب ، فاخذ برجله فسحبه وطرده عن بلاده ، فوقع منها إلى سجستان ، فأقام بها نحوا من خمس سنين . ثم اجمع ان ينزل خراسان فيجمع الجموع فيها ويسير بهم إلى من غلبه على مملكته ، فسار بمن معه إلى مرو ، ومعه الرهن من أولاد الدهاقين ، ومعه من رؤسائهم فرخزاذ ، فلما قدم مرو استغاث منهم بالملوك ، وكتب إليهم يستمدهم ، وإلى صاحب الصين وملك فرغانه وملك كابل وملك الخزر