محمد بن جرير الطبري

282

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

أراد ان يكتب إلى الأعاجم كتبا يدعوهم إلى الله عز وجل ، فقال له رجل : يا رسول الله ، انهم لا يقبلون كتابا الا مختوما ، فامر رسول الله ص ان يعمل له خاتم من حديد ، فجعله في إصبعه ، فأتاه جبريل ، فقال له : انبذه من إصبعك ، فنبذه رسول الله ص من إصبعه ، وامر بخاتم آخر يعمل له ، فعمل له خاتم من نحاس ، فجعله في إصبعه ، فقال له جبريل ع : انبذه من إصبعك ، فنبذه رسول الله ص من إصبعه ، وامر رسول الله ص بخاتم من ورق ، فصنع له خاتم من ورق فجعله في إصبعه ، فاقره جبريل ، وامر ان ينقش عليه : محمد رسول الله ، فجعل يتختم به ، ويكتب إلى من أراد ان يكتب اليه من الأعاجم ، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر فكتب كتابا إلى كسرى بن هرمز ، فبعثه مع عمر بن الخطاب ، فاتى به عمر كسرى فقرئ الكتاب ، فلم يلتفت إلى كتابه ، فقال عمر : يا رسول الله ، جعلني الله فداءك ! أنت على سرير مرمول بالليف ، وكسرى بن هرمز على سرير من ذهب ، وعليه الديباج ! [ فقال رسول الله ص : اما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ! ] فقال : جعلني الله فداءك ! قد رضيت . وكتب كتابا آخر ، فبعث به مع دحية بن خليفه الكلبي إلى هرقل ملك الروم يدعوه إلى الاسلام ، فقراه وضمه اليه ، ووضعه عنده ، فكان الخاتم في إصبع رسول الله ص يتختم به حتى قبضه الله عز وجل ، ثم استخلف أبو بكر فتختم به حتى قبضه الله عز وجل ، ثم ولى عمر بن الخطاب بعد فجعل يتختم به حتى قبضه الله ، ثم ولى من بعده عثمان ابن عفان ، فتختم به ست سنين ، فحفر بئرا بالمدينة شربا للمسلمين ، فقعد على راس البئر ، فجعل يعبث بالخاتم ، ويديره بإصبعه ، فانسل الخاتم من إصبعه فوقع في البئر ، فطلبوه في البئر ، ونزحوا ما فيها من الماء ، فلم يقدروا عليه ، فجعل فيه مالا عظيما لمن جاء به ، واغتم لذلك غما شديدا ، فلما يئس من الخاتم امر فصنع له خاتم آخر مثله ، خلقه من فضه ، على مثاله