محمد بن جرير الطبري
25
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وخلف فيهم الأموال ، فأقاموا في خندقهم ، وقد أحاطوا به الحسك من الخشب الا طرقهم قال عمرو ، عن عامر الشعبي : كان أبو بكر لا يستعين في حربه بأحد من أهل الردة حتى مات ، وكان عمر قد استعان بهم ، فكان لا يؤمر منهم أحدا الا على النفر وما دون ذلك ، وكان لا يعدل ان يؤمر الصحابة إذا وجد من يجزى عنه في حربه ، فإن لم يجد ففي التابعين باحسان ، ولا يطمع من انبعث في الردة في الرياسة ، وكان رؤساء أهل الردة في تلك الحروب حشوه إلى أن ضرب الاسلام بجرانه . ثم اشترك عمرو ومحمد والمهلب وطلحه وسعيد ، فقالوا : ففصل هاشم ابن عتبة بالناس من المدائن في صفر سنه ست عشره ، في اثنى عشر ألفا ، منهم وجوه المهاجرين والأنصار واعلام العرب ممن ارتد وممن لم يرتد ، فسار من المدائن إلى جلولاء أربعا ، حتى قدم عليهم ، وأحاط بهم ، فحاصرهم وطاولهم أهل فارس ، وجعلوا لا يخرجون عليهم الا إذا أرادوا ، وزاحفهم المسلمون بجلولاء ثمانين زحفا ، كل ذلك يعطى الله المسلمين عليهم الظفر ، وغلبوا المشركين على حسك الخشب ، فاتخذوا حسك الحديد . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عقبه بن مكرم ، عن بطان بن بشر ، قال : لما نزل هاشم على مهران بجلولاء حصرهم في خندقهم ، فكانوا يزاحفون المسلمين في زهاء واهاويل ، وجعل هاشم يقوم في الناس ، ويقول : ان هذا المنزل منزل له ما بعده ، وجعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كان أخيرا احتفلوا للمسلمين ، فخرجوا عليهم ، فقام هاشم في الناس ، فقال : ابلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الاجر والمغنم ، واعملوا لله فالتقوا فاقتتلوا ، وبعث الله عليهم ريحا اظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعوا الا المحاجزة ، فتهافت فرسانهم في الخندق ، فلم يجدوا بدا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم ، تصعد منه خيلهم ، فأفسدوا حصنهم ، وبلغ ذلك المسلمين ، فنظروا اليه ، فقالوا : ا ننهض إليهم ثانيه فندخله عليهم