محمد بن جرير الطبري

23

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بأرض المدينة فالبس تاج كسرى على عمودين من خشب ، وصب عليه اوشحته وقلائده وثيابه ، واجلس للناس ، فنظر اليه عمر ، ونظر اليه الناس ، فرأوا أمرا عظيما من امر الدنيا وفتنتها ، ثم قام عن ذلك ، فالبس زيه الذي يليه ، فنظروا إلى مثل ذلك في غير نوع ، حتى اتى عليها كلها ، ثم ألبسه سلاحه ، وقلده سيفه ، فنظروا اليه في ذلك ، ثم وضعه ثم قال : والله ان أقواما أدوا هذا لذوو أمانه ونفل سيف كسرى محلما ، وقال : أحمق بأمري من المسلمين غرته الدنيا ! هل يبلغن مغرور منها الا دون هذا أو مثله ! وما خير امرئ مسلم سبقه كسرى فيما يضره ولا ينفعه ! ان كسرى لم يزد على أن تشاغل بما اوتى عن آخرته ، فجمع لزوج امرأته أو زوج ابنته ، أو امراه ابنه ، ولم يقدم لنفسه ، فقدم امرؤ لنفسه ووضع الفضول مواضعها تحصل له ، والا حصلت للثلاثة بعده ، وأحمق بمن جمع لهم أو لعدو جارف ! كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن كريب ، عن نافع بن جبير ، قال : قال عمر مقدم الأخماس عليه حين نظر إلى سلاح كسرى وثيابه وحليه ، مع ذلك سيف النعمان بن المنذر ، فقال لجبير : ان أقواما أدوا هذا لذوو أمانه ! إلى من كنتم تنسبون النعمان ؟ فقال جبير : كانت العرب تنسبه إلى الأشلاء ، أشلاء قنص ، وكان أحد بنى عجم بن قنص ، فقال : خذ سيفه فنفله إياه ، فجهل الناس عجم ، وقالوا لخم وقالوا جميعا : وولى عمر سعد بن مالك صلاه ما غلب عليه وحربه ، فولى ذلك ، وولى الخراج النعمان وسويدا ابني عمرو بن مقرن ، سويدا على ما سقى الفرات ، والنعمان على ما سقت دجلة ، وعقدوا الجسور ، ثم ولى عملهما ، واستعفيا حذيفة بن أسيد وجابر بن عمرو المزنى ، ثم ولى عملهما بعد حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف . قال : وفي هذه السنة - اعني سنه ست عشره - كانت وقعه جلولاء ، كذلك