محمد بن جرير الطبري

574

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

العراق ، والمسلمون من ناحيته الأخرى مما يلي الحجاز فيما بين القادسية والعذيب ، فكلمه رستم ، فقال : انكم معشر العرب كنتم أهل شقاء وجهد ، وكنتم تأتوننا من بين تاجر وأجير ووافد ، فاكلتم من طعامنا ، وشربتم من شرابنا ، واستظللتم من ظلالنا ، فذهبتم فدعوتم أصحابكم ، ثم اتيتمونا بهم ، وانما مثلكم مثل رجل كان له حائط من عنب ، فرأى فيه ثعلبا واحدا ، فقال : ما ثعلب واحد ! فانطلق الثعلب ، فدعا الثعالب إلى الحائط ، فلما اجتمعن فيه جاء الرجل فسد الجحر الذي دخلن منه ، ثم قتلهن جميعا . وقد اعلم أن الذي حملكم على هذا معشر العرب الجهد الذي قد أصابكم ، فارجعوا عنا عامكم هذا ، فإنكم قد شغلتمونا عن عماره بلادنا ، وعن عدونا ، ونحن نوقر لكم ركائبكم قمحا وتمرا ، ونأمر لكم بكسوة ، فارجعوا عنا عافاكم الله ! فقال المغيرة بن شعبه : لا تذكر لنا جهدا الا وقد كنا في مثله أو أشد منه ، أفضلنا في أنفسنا عيشا الذي يقتل ابن عمه ، ويأخذ ماله فيأكله ، نأكل الميتة والدم والعظام ، فلم نزل كذلك حتى بعث الله فينا نبيا ، وانزل عليه الكتاب ، فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به ، فصدقه منا مصدق ، وكذبه منا آخر ، فقاتل من صدقه من كذبه ، حتى دخلنا في دينه ، من بين موقن به ، وبين مقهور ، حتى استبان لنا انه صادق ، وانه رسول من عند الله . فأمرنا ان نقاتل من خالفنا ، وأخبرنا ان من قتل منا على دينه فله الجنة ، ومن عاش ملك وظهر على من خالفه ، فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله ، وتدخل في ديننا ، فان فعلت كانت لك بلادك ، لا يدخل عليك فيها الا من أحببت ، وعليك الزكاة والخمس ، وان أبيت ذلك فالجزية ، وان أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك . قال له رستم : ما كنت أظن انى أعيش حتى اسمع منكم هذا معشر العرب . لا امسى غدا حتى افرغ منكم واقتلكم كلكم ثم امر بالعتيق ان يسكر ، فبات ليلته يسكر بالبراذع والتراب والقصب حتى أصبح ، وقد تركه طريقا مهيعا ، وتعبى له المسلمون ، فجعل سعد على جماعه الناس خالد بن