محمد بن جرير الطبري

454

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ثم ارتحل أبو عبيد ، وقدم المثنى ، وسار في تعبيته حتى قدم الحيرة . وقال النضر ومجالد ومحمد وأصحابه : تقدم عمر إلى أبى عبيد ، فقال : انك تقدم على ارض المكر والخديعة والخيانة والجبرية ، تقدم على قوم قد جرءوا على الشر فعلموه ، وتناسوا الخير فجهلوه ، فانظر كيف تكون ! واخزن لسانك ، ولا تفشين سرك ، فان صاحب السر ما ضبطه ، متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه ، وإذا ضيعه كان بمضيعه . وقعه القرقس ويقال لها القس قس الناطف ، ويقال لها الجسر ، ويقال لها المروحة . قال أبو جعفر الطبري رحمه الله : كتب إلى السرى بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحه وزياد باسنادهم ، قالوا : ولما رجع الجالنوس إلى رستم ومن أفلت من جنوده ، قال رستم : اى العجم أشد على العرب فيما ترون ؟ قالوا : بهمن جاذويه ، فوجهه ومعه فيله ورد الجالنوس معه ، وقال له : قدم الجالنوس ، فان عاد لمثلها فاضرب عنقه ، فاقبل بهمن جاذويه ومعه درفش كابيان رايه كسرى - وكانت من جلود النمر ، عرض ثمانية اذرع في طول اثنى عشر ذراعا - واقبل أبو عبيد ، فنزل المروحة ، موضع البرج والعاقول ، فبعث اليه بهمن جاذويه : اما ان تعبروا إلينا وندعكم والعبور واما ان تدعونا نعبر إليكم ! فقال الناس : لا تعبر يا أبا عبيد ، ننهاك عن العبور وقالوا له : قل لهم : فليعبروا - وكان من أشد الناس عليه في ذلك سليط - فلج أبو عبيد ، وترك الرأي ، وقال : لا يكونون اجرا على الموت منا ، بل نعبر إليهم فعبروا إليهم وهم في منزل ضيق المطرد والمذهب ، فاقتتلوا يوما - وأبو عبيد فيما بين الستة والعشرة - حتى إذا كان من آخر النهار ، واستبطأ رجل من ثقيف الفتح ، الف بين الناس ، فتصافحوا بالسيوف وضرب أبو عبيد الفيل ، وخبط الفيل أبا عبيد ، وقد أسرعت السيوف في أهل فارس ،