محمد بن جرير الطبري
449
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
خفان ، لئلا يؤتى من خلفه بشيء يكرهه ، وأقام حتى قدم عليه أبو عبيده ، فكان أبو عبيد على الناس ، فأقام بخفان أياما ليستجم أصحابه ، وقد اجتمع إلى جابان بشر كثير ، وخرج أبو عبيد بعد ما جم الناس وظهرهم ، وتعبى ، فجعل المثنى على الخيل ، وعلى ميمنته والق بن جيداره ، وعلى ميسرته عمرو بن الهيثم بن الصلت بن حبيب السلمى وعلى مجنبتى جابان جشنس ماه ومردان شاه فنزلوا على جابان بالنمارق ، فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم الله أهل فارس ، وأسر جابان ، اسره مطر بن فضه التيمي ، وأسر مردان شاه ، اسره اكتل بن شماخ العكلي ، فاما اكتل فإنه ضرب عنق مردان شاه ، واما مطر بن فضه فان جابان خدعه ، حتى تفلت منه بشيء فخلى عنه ، فأخذه المسلمون ، فاتوا به أبا عبيد وأخبروه انه الملك ، وأشاروا عليه بقتله ، فقال : انى أخاف الله ان اقتله ، وقد آمنه رجل مسلم ، والمسلمون في التواد والتناصر كالجسد ، ما لزم بعضهم فقد لزمهم كلهم . فقالوا له : انه الملك ، قال : وان كان لا اغدر ، فتركه كتب إلى السرى بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصلت بن بهرام ، عن أبي عمران الجعفي ، قال : ولت حربها فارس رستم عشر سنين ، وملكوه ، وكان منجما عالما بالنجوم ، فقال له قائل : ما دعاك إلى هذا الأمر وأنت ترى ما ترى ! قال : الطمع وحب الشرف فكاتب أهل السواد ، ودس إليهم الرؤساء ، فثاروا بالمسلمين ، وقد كان عهد إلى القوم ان الأمير عليكم أول من ثار ، فثار جابان في فرات بادقلى ، وثار الناس بعده ، وأرز المسلمون إلى المثنى بالحيرة ، فصمد لخفان ، ونزل خفان حتى قدم عليه أبو عبيد وهو الأمير على المثنى وغيره ، ونزل جابان النمارق ، فسار اليه أبو عبيد من خفان ، فالتقوا بالنمارق ، فهزم الله أهل فارس ، وأصابوا منهم ما شاءوا وبصر مطر بن فضه - وكان ينسب إلى أمه - وأبى برجل عليه حلى ، فشدا عليه فأخذاه أسيرا ، فوجداه شيخا كبيرا